شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : الدستور


فراس كتبي
01-14-2013, 11:11 PM
الدستور : * (http://www.toratheyat.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=73#_ftn1)


لأبي الأعلى المودودي – رحمه الله تعالى – كلام نافع ، في أن تغريب المصطلحات أوجد انفصاماً بين المسلمين وبين الاستفادة من كتب سلفهم ، أنقله بنصه ، مع ما أضفته إليه في كتاب (( المواضعة )) في المبحث الرابع عشر : العدوان على مصطلحات الشريعة . وهذا نصه :


* (http://www.toratheyat.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=73#_ftnref1)الدستور : المواضعة . ص/ 85 – 90 .

فراس كتبي
01-14-2013, 11:11 PM
(( المبحث الرابع عشر : في العدوان على مصطلحات الشريعة :


إن حفاوة الأُمة والتزامها بمصطلحاتها عنوان لعزتها ، ومفتاح لاستقلالها ، وأداة بناءة في سبيل وحدتها وأصالتها ، وحصانة لكيانها تقاوم عوامل الانحلال ، والتفكيك ، والتحدَّي لكل وافد عليها في هذا المجال ؛ من هجنة في اللسان ، وإبعاد في المعاني ، ومنابذة لشريعة الإسلام .
وقد تكرر في التاريخ أكثر من مرة : أن الأُمة إذا ضعفت ودب فيها الوهن انطوت تحت سلطان الغالب ودانت له بالتبعية الماسخة منصهرة في قالبه وعاداته ابتغاء مرضاته ، وهكذا قُلْ : في أُمتنا اليوم فإنها لاستقبال كل وافد أجنبي عنها أسرع إليه من قالة السوء إلى أهلها ، بل تبدي التباهي وإظهار الفخار ، وأن هذا من علائم التقدم والرقي ؟! ومن أسوأ مظاهر التبعيات الماسخة في جو تلكم الأهواء الهادرة منابذة مصطلحات الشريعة ، والإجهاز عليها بمصطلحات دخيلة مرفوضة لغة وشرعاً ، وحساً ، ومعنى .
وما علم المتهافتون عليها أن وأد مصطلحاتهم أقبح من وأد أمتعتهم وأموالهم . ولكن :

وإذا الفساد عرا المزاج فإنه يجد الدواء لديه عين الداء

وما ابتليت الأُمة بشيء مثل ابتلائها بإهدار لغتها والزوال عن سننها والحيدة عن معانيها وفي مقدمتها مواضعاتها الشرعية ، فاستبعدت أسماء الشريعة المطهرة ، الواردة في التنزيل وسنة النبي الكريم وعلى لسان صدور الأُمة من الصحابة فمن بعدهم من أساطين العلماء ونجوم الهدى ، واستبدل بكل هذا لغة القانون المختلق المصنوع ، وهي لغة إلي اللغو أقرب ، بل يقصر عن وصف قصورها ، وعجمتها ، وسماجتها يراع كل بليغ .
فبالله كيف تحولت تلك العقول من رفيع العزة والمكانة إلى حضيض الذلة والمهانة :

أخذت بالحجة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا

وقد أضحى من سوالب هذا العدوان غربة مصطلحات الشريعة في ديار الإسلام ، واستحكام الانفصام بين المسلم وتراثه الأثيل .
يقول أبو الأعلى المودودي في كتابه : تدوين الدستور الإسلامي ص/ 9- 10 في بيان أن غرابة المصطلحات الشرعية على أهل هذا العصر تُكوِّن عائقاً دون التدوين ، فقال تحت عنوان :

فراس كتبي
01-14-2013, 11:13 PM
غرابة المصطلحات :


( المشكلة الأُولى جاءت من جهة اللغة ، وبيان ذلك : أن الناس عامةً في هذا الزمان ، قليلاً ما يتفطنون لما ورد في القرآن وفي كتب الحديث والفقه من المصطلحات عن الأحكام ، والمبادئ الدستورية ، ذلك بأن نظام الإسلام السياسي قد تعطل فينا منذ أمدٍ غير يسير ، فلا يكاد اليوم يسمع بتلك المصطلحات في القرآن الكريم ، كثير من الكلمات نقرؤها كل يوم ولكن لا نكاد نعرف أنها من المصطلحات الدستورية ، كالسلطان ، والملك ، والحكم ، والأمر ، والولاية ، فلا يدرك مغزى هذه الكلمات الدستوري الصحيح إلا قليل من الناس ؛ ومن ثم نرى كثيراً من الرجال المثقفين يقضون عجباً ويسألوننا في حيرة إذا ذكرنا لهم الأحكام الدستورية في القرآن : أو في القرآن آية تتعلق بالدستور ؟ والواقع أنه لا داعي إلى العجب لحيرة مثل هؤلاء الأفراد ، فإن القرآن ما نزلت فيه سورة سميت بالدستور ولا نزلت فيه آية بمصطلحات القرن العشرين ) ا هـ .
هذا في خصوص مصطلحات الشريعة في جانب واحد من جوانبها وأما العدوان على جوانبها الأُخرى خاصة في القضاء والإثبات ، وعلى المواضعات اللغوية ، وفي أسماء العلوم والفنون الأُخرى والصناعات ، وأنواع التجارات ... فتضيق عليها دائرة الحصر ، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين .
ومن مبلغ هذه التجاوزات والاعتداءات الأثيمة أن نفثة مولدة استشراقية تنال من الأُمة فرداً فرداً في كل دار وفي كل قطر ، سرت في عقولنا وتراثنا سريان الماء في العود حتى في علية الأُمة من العلماء المفكرين ، وهي ذلكم الاصطلاح الحادث : ( الجنس السامي ) بدلاً من المواضعة الأصلية المحددة ( الجنس العربي ) . وهذا الاصطلاح( الجنس السامي ) لم يمضِ عليه من العمر سوى 200 عام تقريباً على لسان المستشرقين ، منتزعين له من : سفر التكوين . فقالوا:( الشعوب السامية ) وللغتها :( اللغة السامية) .
وقد سرى إلى الأُمة بعد اختلاقه وهو لا يستند إلى علم أثيل ولا يلجأ فيه إلى ركن شديد.
ولهذه المواضعة أبعادها الانتحارية لأخلاق الجنس العربي وعاداته ومقوماته ، وبالتالي تسلط خفي على النبوة والرسالة وحكمة بعث الرسول r من خصوص العرب لا من عموم الساميين ، وهي تسمية من حيث تاريخها مبنية أيضاً على المغالطة والمكابرة فقد ورد اسم العرب في كتب اليونان والرومان ، وأشعار العهد القديم قبل البعثة المحمدية بنحو من ألف ومائتي عامٍ تقريباً .
فهذه التسمية الحديثة الأعجمية الوافدة تحكُّم لا يمتُّ إلى العلم والواقع بشيء .
وهؤلاء وغيرهم يعلمون أن سام بن نوح انحدر منه : العرب والروم ، والفرس ، فهذه الأُمم الثلاث هم الساميون ، فانظر إلى هذه التسمية ( الجنس السامي ) كيف يسوى فيها بين الماء والخشب ، والتبر والتبن ، أيجعل الفرس كالعرب ؟؟
فيُقال : إنَّ النبي محمداً r من الأُمة السامية ، وإن القرآن نزل بلغة الساميين ؟؟ وإني لأدعو المسلمين بما دعا إليه الأُستاذ محمد عز دروزه في مقال له مهم نُشِر في مجلة الأزهر ( لواء الإسلام ) مجلد 33 ص/ 297 – 304 بعنوان ( قولوا الجنس العربي لا السامي ) :
( وإني لأُناشد علماءنا ومؤرخينا ، وكتابنا أن يعيروا هذا الأمر عنايتهم ، وأن يتبنوه ، وأن يحلوا اسم الجنس العربي محل : اسم الساميين ، في الإشارة إلى سكان جزيرة العرب ومن هاجر منها في القرون القديمة ؛ فيساعدوا بذلك على توثيق الصلة بين تاريخ جنسنا القديم والحديث ، وواقعنا الراهن بما هو الأولى والأصح ، ويحبطوا مكر الماكرين أعداء قومنا وبلادنا ، ويبثوا في ناشئتنا على اختلافهم شعور الفخار بجنسهم العظيم الذي كان أول من حمل مشاعل الحضارة والهداية ، ثم ظل يحملها ليهتدي بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها ) ا هـ .
وليس بعيداً عن هذا الاصطلاح الأثيم ( الجنس السامي ) ذلكم الزفير المتأجج من الدعوات القومية المفرقة من دعوتهم للمسلمين بالشعب . وهل الشعب إلا تشعب وفرقة ؟ وتسميتهم لهم بالجمهور والمجتمع ، وما هو إلا تجمع يصدق على تجمع من أهل كل ملة ومن أي أُمةٍ حتى من البهيم والبهائم ، وثالثة الأثافي ( المواطن والمواطنون ) فغاب أمام هذا ( المسلمون ، المؤمنون ، المتقون ) {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا} فهل من متيقظ للتخلص من هذا الحداء الذي لا يطرب الأُمة بل يهينها ويضيع ماهيتها وجواهرها ؟ وكم رأينا تلقيب جملة كبيرة من ديار الإسلام باسم ( الشرق الأوسط ) والمقصود به قاعدته منبع الرسالة ؛ لمحو علميتها عن الأسماع في إسلامها وعروبتها ؟ إلى غير ذلك من الألقاب المضللة والمنتجة لعملية خصاء للذاكرة الإسلامية العربية .
فيا لله كم ضربوا بقرونهم صخرة العروبة والإسلام ؟؟
ألا إن هذا الغطاء الوافد على المصطلحات الإسلامية ، يمثل في عدوانه على انتزاعها : بذور الفلسفة والمنطق اليوناني في إفساد الفكر الإسلامي ، وبذور الشعوبية البغيضة في مسخ العرب من مكانتهم ، وبذور المذاهب المادية في الانقلاب على الدِّين وأنها هي البديل الحتمي . وبذور النزعات العرقية كالقومية العربية ، والبعثية التي أغرقت في عصبيتها المنتنة . وقد انتهى بكُثرهم المطاف حتى خرجوا من العروبة والإسلام معاً وما علم أولئك الأغمار أن هذا الضرب من العصبية قد أسقط النبي r رايته ، وأنه الإسلام وحده . وهذا لا يعني إغفال شأن العرب والمحافظة على جنسهم ، ونقاء نطفهم ، وصفاء أنسابهم ( فالعصبية ممقوتة والمحافظة مطلوبة ) كما قرره الإمامان الحافظان ابن تيمية وابن حجر – رحمهما الله تعالى – في غيرهما كثير من أهل العلم ، وإلى غير هذه البذور المهينة من بذور الحرب ، والعداء ، والإغارة ، والتوهين الفكري ، في سلسلة متصلة ومتلاحقة يمسك بها الجزارون من طرف وذوو الفسالة ( المنافقون ) من طرف آخر ، مستغلين مناخ الفرقة وانكسار الوحدة ، وانفصام عرى العزة ؛ بإدباب وميض نار الفتنة بين صفوف المسلمين من غير دخان ، ودس كلمات تتفجر في عقل الأُمة وفكرها من غير صوت ؟
وكل جنود الإغارة هؤلاء ينزعون من قوس واحدة ويدقون على وتر واحد هو القضاء على المسلمين بكل مقوماتهم ؟
وبالجملة فهذه الظاهرة العدوانية ، والحملة المسعورة ، تمثل شوكة في الظهر ، ووصمة عار في الجبين ، وثغرة ينال العدو منها ما كان يرجوه الغرب من التفات المسلمين إلي تغيير مجريات حياتهم على نحو ما هم عليه حقيقة وشكلاً ، وبالتالي تفتيت الإسلام عن طريق تطويره محققاً غرضين له :
أحدهما : الانفصام بين المسلم وتراثه ليقطع تفكيره في شريعة الله .
وإذا فقد المسلم قاعدته التي ينطلق منها أضحى محلاً قابلاً للأطماع ، والتموجات الفكرية .
ثانيهما : تفكيك الوحدة الإسلامية .
وهل نشدان الوحدة اليوم وعلى هذه الحال إلا سعى وراء السراب ؟؟ )) انتهى .


المرجع
معجم المناهي اللفظية
بقلم : بكر بن عبد الله أبو زيد