شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : تعس الشيطان


ثروت كتبي
12-28-2012, 08:06 PM
تعس الشيطان : * (http://toratheyat.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=73#_ftn1)

عن أبي المُليح ، عن رجل ، قال : كنت رديف النبي r فعثرت دابته ، فقلت : تعس الشيطان ، فقال : (( لا تقل تعس الشيطان ، فإنك إذا قلت ذلك تعاظم حتى يكون مثل البيت ، ويقول : بقوَّتي ، ولكن ، قل : بسم الله ، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب )) رواه أبو داود والنسائي .
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله r قال : (( لا تسبوا الشيطان ، وتعوذوا بالله من شره )) رواه تمام في فوائده ، والديلمي .
وانظر : تهذيب السنن 7/257 ، وقد ساق ابن القيم – رحمه الله تعالى – فصلاً عظيماً في حفظ المنطق واختيار الألفاظ . وذلك في كتابه : (( زاد المعاد )) رأيت أن أسوقه بطوله هنا وأن أعزو إليه في مواضع أُخرى من الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى :

* (http://toratheyat.com/vb/newthread.php?do=newthread&f=73#_ftnref1) تعس الشيطان : زاد المعاد 2/9 – 10 . شرح الإحياء 7 / 577 . صحيح الجامع . الجامع لشعب الإيمان 9/ 402 رقم 4819 .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:07 PM
فصل في فقه هذا الباب


( لمَّا كانت الأسماء قوالب للمعاني ودالة عليها ، اقتضت الحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب ، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها ، فإن حكمة الحكيم تأبى ذلك ، والواقع يشهد بخلافه ، بل للأسماء تأثير في المسميات ، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحُسن والقبح ، والخفة والثقل ، واللطافة والكثافة ، كما قيل :

وقلما أبصرت عيناك ذا لقب++++ إلا ومعناه إن فكرت في لقبه

وكان r يستحب الاسم الحسن ، وأمر إذا أبردوا إليه بريداً أن كون حسن الاسم ، حسن الوجه . وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة كما رأى أنه وأصحابه في دار عُقبة بن رافع ، فأتوا برطب من رطب بن طاب ، فأوله بأن لهم الرفعة في الدنيا ، والعاقبة في الآخرة ، وأن الدين الذي قد اختاره الله لهم قد أرطب وطاب ، وتأول سُهولة أمرهم يوم الحديبية من مجيء سُهيل بن عمرو إليه .
وندب جماعة إلى حلب شاة ، فقال رجلٌ يحلبها ، فقال (( ما اسمك ؟ )) قال : مُرة ، فقال : (( اجلس )) فقام آخر فقال : (( ما اسمك ؟ )) قال : - أظنه حرب - ، فقال : (( اجلس )) فقام آخر فقال : (( ما اسمك ؟ )) فقال : يَعيش فقال : (( احلبها )) .
وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء ويكره العبور فيها ، كما مر في بعض غزواته بين جبلين ، فسأل عن اسميهما فقالوا : فاضح ومُخز ، فعدل عنهما ، ولم يجز بينهما .
ولما كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة، ما بين قوالب الأشياء وحقائقها ، وما بين الأرواح والأجسام ، عبر العقل من كل منهما إلى الآخر ، كما كان إياس بن معاوية وغيره يرى الشخص ، فيقول : ينبغي أن يكون اسمه كيت وكيت ، فلا يكادُ يُخطئ ، وضد هذا العبور من الاسم إلى مسماه كما سأل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه – رجلاً عن اسمه ، فقال : جمرة ، فقال : واسم أبيك ؟ فقال : شهاب . قال: ممن ؟ قال من الحُرقة ، قال : فمنزلك ؟ قال : بحرَّة النارَّ ، قال : فإين مسكنك ؟ قال : بذات لظى . قال : اذهب فقد احترق مسكنك ، فذهب فوجد الأمر كذلك. فعبر عمر من الألفاظ إلى أرواحها ومعانيها ، كما عبر النبي r من اسم سهيل إلى سهولة أمرهم يوم الحديبية ، فكان الأمر كذلك ، وقد أمر النبي r أمته بتحسين أسمائهم ، وأخبر أنهم يُدعون يوم القيامة بها ، وفي هذا – والله أعلم – تنبيه على تحسين الأفعال المناسبة لتحسين الأسماء ، لتكون الدعوة على رؤوس الأشهاد بالاسم الحسن ، والوصف المناسب له .
وتأمل كيف اشْتُقَّ للنبي r من وصفه اسمان مطابقان لمعناه ، وهما أحمد ومحمد ، فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة : محمد ، ولشرفها وفضلها على صفات غيره : أحمد ، فارتبط الاسم بالمسمى ارتباط الروح بالجسد ، وكذلك تكنيته rلأبي الحكم بن هشام بأبي جهل كنية مطابقة لوصفه ومعناه ، وهو أحقُّ الخلق بهذا الكنية ، وكذلك تكنية الله عز وجل لعبدالعُزى بأبي لهب ، لما كان مصيره إلى نار ذات لهب ، كانت هذه الكنية أليق به وأوفق ، وهو بها أحقُّ وأخلق .
ولما قدم النبي r المدينة ، واسمها يثرب ، لا تعرف بغير هذا الاسم ، غيره بطيبة ؛ لمّا زال عنها ما في لفظ يثرب من التثريب بما في معنى طيبة من الطيب ، استحقت هذا الاسم ، وازدادت به طيباً آخر، فأثر طيبُها في استحقاق الاسم، وزادها طيباً إلى طيبها .
ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه ، ويستدعيه من قرب ، قال النبي r لبعض قبائل العرب وهو يدعوهم إلى الله وتوحيده : (( يا بني عبدالله إن الله قد حسَّن اسمكم واسم أبيكم )) . فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بحسن اسم أبيهم ، وبما فيه من المعنى المقتضي للدعوة ، وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم بدر : كيف اقتضى القدر مطابقة أسمائهم لأحوالهم يومئذ ، فكان الكفَّار : شيبة ، وعُتبة ، والوليد ، ثلاثة أسماء من الضعف ، فالوليد له بداية الضعف ، وشيبة له نهاية الضعف كما قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } [ الروم:54] وعتبة من العتب ، فدلت أسماؤهم على عتب يحل بهم ، وضعف ينالهم ، وكان أقرانهم من المسلمين : علي ، وعبيدة ، والحارث ، - رضي الله عنهم – ثلاثة أسماء تُناسب أوصافهم ، وهي العلو ، والعبودية ، والسعي الذي هو الحرث ، فعلوا عليهم بعبوديتهم وسعيهم في حرث الآخرة . ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه ، ومؤثراً فيه ، كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه ، كعبدالله ، وعبدالرحمن ، وكان إضافة العبودية إلى اسم الله ، واسم الرحمن ، أحب إليه من إضافتها إلى غيرهما ، كالقاهر ، والقادر ، فعبدالرحمن أحب إليه من عبدالقادر ، وعبدالله أحب إليه من عبدربه ؛ وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة ، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة ، فبرحمته كان وجوده ، وكمال وجوده ، والغاية التي أوجد لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفاً ورجاء وإجلالاً وتعظيماً ، فيكون عبداً لله وقد عبده ؛ لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره ، ولما غلبت رحمته غضبه ، وكانت الرحمة أحب إليه من الغضب ، كان عبدالرحمن أحبَّ إليه من عبدالقاهر .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:08 PM
فصل


ولمَّا كان كلُّ عبد متحركاً بالإرادة ، والهم مبدأ الإرادة ، ويترتب على إرادته حركته وكسبه ، كان أصدق الأسماء : اسم همام ، واسم حارث ، إذْ لا ينفك مسماهما عن حقيقة معناهما ، ولما كان الملك الحق لله وحده ، ولا ملك على الحقيقة سواه ، كان أخنع اسم وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم (( شاهان شاه)) أي: ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل ، والله لا يُحب الباطل .
وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا (( قاضي القضاة )) وقال : ليس قاضي القضاة ‘إلا من يقضي الحق ، وهو خير الفاصلين ، الذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له : كن ، فيكون .
ويلي هذا الاسم في الكراهية والقبح والكذب : سيد الناس ، وسيد الكل ، وليس ذلك إلا لرسول الله r خاصة ، كما قال : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر )) . فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره : إنه سيد الناس ، وسيد الكل ، كما لا يجوز أن يقول : إنه سيد ولد آدم .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:09 PM
فصل


ولمَّا كان مسمى الحرب والمُرة أكره شيء للنفوس وأقبحها عندها ؛ كان أقبح الأسماء : حرباً ، ومرة ، وعلى قياس هذا : حنظلة ، وحزن ، وما أشبههما ، وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها ، كما أثَّر اسم (( حزن )) الحزونة في سعيد بن المسيب وأهل بيته .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:10 PM
فصل


ولمَّا كان الأنبياء سادات بني آدم ، وأخلاقهم أشرف الأخلاق ، وأعمالهم أصح الأعمال ، كانت أسماؤهم أشرف الأسماء ، فندب النبي r أُمته إلى التسمي بأسمائهم ، كما في سنن أبي داود والنسائي عنه : (( تسموا بأسماء الأنبياء )) . ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلا أن الاسم يذكر بمسماه ، ويقتضي التعلق بمعناه ، لكفى به مصلحة مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذكرها ، وأن لا تُنسى ، وأن تُذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:12 PM
فصل


وأما النهي عن تسمية الغلام بـ : يسار ، وأفلح ، ونجيح ، ورباح ، فهذا لمعنى آخر قد أشار إليه في الحديث وهو قوله : (( فإنك تقول : أثمت هو ؟ فيُقال : لا )) – والله أعلم – هل هذه الزيادة من تمام الحديث المرفوع ، أو مدرجة من قول الصحابي ، وبكل حال فإن هذه الأسماء لما كانت قد تُوجِب تطيراً تكرهه النفوس ، ويصدها عما هي بصدده ، كما إذا قلت لرجل : أعندك يسار ، أو رباح ، أو أفلح ؟ قال : لا ، تطيرت أنت وهو من ذلك ، وقد تقع الطيرة لاسيما على المتطيرين ، فقلّ من تطيَّر إلا ووقعت به طيرته ، وأصابه طائره ، كما قيل :

تعلم أنه لا طير إلا ++++ على مُتطيَّر فهو الثبور

اقتضت حكمة الشارع ، الرؤوف بأُمته ، الرحيم بهم ، أن يمنعهم من أسباب تُوجب لهم سماع المكروه أو وقوعه ، وأن يعدل عنها إلى أسماء تُحصل المقصود من غير مفسدة ، هذا أولى ، مع ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه ، بأن تُسمي يساراً من هو من أعسر الناس ، ونجيحاً من لا نجاح عنده ، ورباحاً من هو من الخاسرين ، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله ، وأمر آخر أيضاً : وهو أن يُطالب المسمى بمقتضى اسمه ، فلا يُوجد عنده ، فيجعل ذلك سبباً لذمه وسبه ، كما قيل :

سمَّوك من جهلهم سديدا++++ والله ما فيك من سداد


أنت الذي كونه فسادا ++++ في عالم الكون والفساد

فتوصل الشاعر بهذا الاسم إلى ذم المسمى به ، ولي من أبيات :

وسميته صالحاً فاغتدى++++ بضد اسمه في الورى سائراً


وظن بأن اسمه ساتر++++ لأوصافه فغدا شاهرا

وهذا كما أن من المدح ما يكون ذماً وموجباً لسقوط مرتبة الممدوح عند الناس ، فإنه يمدح بما ليس فيه ، فتطالبه النفوس بما مُدِح به ، وتظنه عنده ، فلا تجده كذلك ، فتنقلب ذماً ، ولو ترك بغير مدح ، لم تحصل له هذه المفسدة ، ويُشبه حاله حال من ولي ولاية سيئة ، ثم عُزِل عنها ، فإنه تنقص مرتبته عما كان عليه قبل الولاية ، وينقص في نفوس الناس عما كان عليه قبلها ، وفي هذا قال القائل :

إذا ما وصفت امرءاً لامرئ++++ فلا تغل في وصفه واقصد


فإنَّك إن تغل تغل الظنونُ ++++ فيه إلى الأمد الأبعد


فينقص من حيث عظمته ++++ لفضل المغيب عن المشهد

وأمر آخر : وهو ظن المسمَّى واعتقاده في نفسه أنه كذلك ، فيقع في تزكية نفسه وتعظيمها وترفعها على غيره ، وهذا هو المعنى الذي نهى النبي r لأجله أن تُسمى (( برَّة )) وقال : (( لا تُزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم )) .
وعلى هذا فتره التسمية بـ : التقي ، والمتقي ، والمطيع ، والطائع ، والراضي ، والمحسن ، والمخلص ، والمنيب ، والرشيد ، والسديد . وأما تسمية الكفار بذلك ، فلا يجوز التمكين منه ، ولا دُعاؤهم بشيء من هذه الأسماء ، ولا الإخبار عنهم ،والله عز وجل يغضب من تسميتهم بذلك .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:14 PM
فصل


وأما الكنية فهي نوع تكريم للمكني ، وتنويه به كما قال الشاعر :

أكْنيه حين أُناديه لأُكرمه++++ ولا أُلقبه والسوءةُ اللقبُ

وكنى النبي r صُهيباً بأبي يحيى ، وكنى علياً – رضي الله عنه – بأبي تراب ، مع كنيته بأبي الحسن ، وكانت أحب كنيته إليه ، وكنى أخا أنس بن مالك وكان صغيراً دون البلوغ بأبي عُمير .
وكان هديه r تكنية من له ولد ، ومن لا ولد له ، ولم يثبت عنه أنه نهى عن كًنية إلا الكنية بأبي القاسم ، فصح عنه أنه قال : (( تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي )) . فاختلف الناس في ذلك على أربعة أقوال – فذكرها ، ثم قال - :
وقد كره قوم من السلف والخلف الكنية بأبي عيسى ، وأجازها آخرون ، فروى أبو داود عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ضرب ابناً له يُكنى أبا عيسى ، وأن المغيرة بن شعبة تكنى بأبي عيسى فقال له عمر : أما يكفيك أن تُكنى بأبي عبدالله ؟ فقال : إن رسول الله r كناني ، فقال : إن رسول الله r قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنا لفي جاهليتنا . فلم يزل يُكنى بأبي عبدالله حتى هلك .
وقد كنى عائشة بأُم عبدالله ، وكان لنسائه أيضاً كنى ، كأم حبيبة ، وأًم سلمة .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:15 PM
فصل


ونهى رسول الله r عن تسمية العنب كرْماً ، وقال : (( الكرْمُ قلب المؤمن )) . وهذا لأن هذه اللفظة تدل على كثرة الخير والمنافع في المسمى بها ، وقلب المؤمن هو المستحق لذلك ، دون شجرة العنب ، ولكن : هل المراد النهي عن تخصيص شجرة العنب بهذا الاسم ، وأن قلب المؤمن أولى به منه ، فلا يُمنع من تسميته بالكرم ، كما قال في (( المسكين )) و (( الرقوب )) و (( المفلس )) ؟ أو المراد أن تسميته بهذا مع اتخاذ الخمر المحرم منه : وصْفُ بالكرم والخير والمنافع لأصل هذا الشرب الخبيث المحرم ، وذلك ذريعة إلى مدح ما حرم الله وتهييج النفوس إليه ؟ هذا محتمل ، والله أعلم بمراد رسوله r ، والأولى أن لا يُسمى شجرة العنب: كرماً .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:16 PM
فصل


قال r : (( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا وإنَّها العشاء ، وإنهم يسمونها العتمة )) . وصح عنه أنه قال : (( لو يعلمون ما في العتمة والصبح ، لأتوهما ولو حبواً )) فقيل : هذا ناسخ للمنع ، وقيل بالعكس ، والصواب خلاف القولين ، فإن العلم بالتاريخ متعذر ، ولا تعارض بين الحديثين ، فإنه لم ينه عن إطلاق اسم العتمة بالكلية ، وإنما نهى عن أن يُهجر اسم العشاء ، وهو الاسم الذي سماها الله به في كتابه ، ويغلب عليها اسم العتمة . فإذا سُميت العشاء وأُطلق عليها أحياناً : العتمة ، فلا بأس – والله أعلم – وهذا محافظة منه r على الأسماء التي سمى الله بها العبادات ، فلا تُهجر ، ويُؤْثرُ عليها غيرها ، كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص ، وإيثار المصطلحات الحادثة عليها ، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما الله به عليم ، وهذا كما كان يُحافظ على تقديم ما قدمه الله وتأخير ما أخره ، كما بدأ بالصفا ، وقال : (( أبدأ بما بدأ الله به )) . وبدأ في العيد بالصلاة ، ثم جعل النحر بعدها ، وأخبر أن : (( من ذبح قبلها فلا نسك له )) ؛ تقديماً لما بدأ الله به في قوله : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه ، ثم اليدين ، ثم الرأس ، ثم الرجلين ؛ تقديماً لِما قدّمه الله ، وتأخيراً لما أخره ، وتوسيطاً لما وسطه . وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد ؛ تقديماً لما قدمه في قوله :{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [ الأعلى:14-15] ونظائره كثيرة .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:17 PM
فصل في هديه r في حفظ المنطق واختيار الألفاظ

كان يتخير في خطابه ، ويختار لأُمته أحسن الألفاظ ، وأجملها ، وألطفها ، وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والغلظة ، والفُحش ، فلم يكن فاحشاً ، ولا متفحشاً ، ولا صخاباً ، ولا فظاً .
وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف المصون في حق من ليس كذلك ، وأن يُستعمل اللفظ المهين المكروه في حق من ليس من أهله .
فمن الأول منعُه أن يُقال للمنافق : (( يا سيدنا )) وقال : (( فإنَّه إن يك سيداً فقد أسخطتهم ربكم عز وجل )) . ومنعُه أن تسمى شجرة العنب كرْماًَ ومنعُه تسمية أبي جهل بأبي الحكم ، وكذلك تغيير لاسم أبي الحكم من الصحابة : بأبي شريح ، وقال : (( إن الله هو الحكمُ ، وإليه الحُكْمُ )) .
ومن ذلك نهيه للمملوك أن يقول لسيده أو لسيدته : ربي وربتي ، وللسيد أن يقول لمملوكه : عبدي ، ولكن يقول المالك : فتاي وفتاتي ، ويقول المملوك : سيدي وسيدتي . وقال لمن ادّعى أنه طيب : (( أنت رجل رفيق ، وطبيبها الذي خلقها )) . والجاهلون يسمون الكافر الذي له علم بشيء من الطبيعة ، وهو من أسفه الخلق .
ومن هذا قوله للخطيب الذي قال : من يُطِع الله ورسوله ، فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى : (( بئس الخطيب أنت )) .
ومن ذلك قوله : (( لا تقولوا : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن قولوا : ما شاء الله ، ثم ما شاء فلان )) . وقال له رجل : ما شاء الله وشئت ، فقال : (( أجعلتني لله نداً ؟ قل : ما شاء الله وحده )) .
وفي معنى هذا الشرك المنهي عنه قولُ من لا يتوقَّى الشرك : أنا بالله وبك ، وأنا في حسب الله وحسبك ، وما لي إلاّ الله وأنت ، وأنا متوكل على وعليك ، وهذا من الله ومنك ، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض ، والله وحياتك ، وأمثال هذا من الألفاظ التي يجعل فيها قائلها المخلوق نداً للخالق ، وهي أشد منعاً وقبحاً من قوله : ما شاء الله وشئت . فإما إذا قال : أنا بالله ثم بك ، وما شاء الله ثم شئت ؛ فلا بأس بذلك ، كما في حديث الثلاثة : (( لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك )) وكما في الحديث المتقدم الإذن أن يُقال : ما شاء الله ثم شاء فلان .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:18 PM
فصل


وأما القسم الثاني وهو أن تُطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها ، فمثل نهيه r عن سب الدهر ، وقال : (( إن الله هو الدهر )) . وفي حديث آخر : (( يقول الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر أُقِّلب الليل والنهار )) . وفي حديث آخر : (( لا يقولن أحدكم : يا خيبة الدهر )) .
في هذا ثلاث مفاسد عظيمة :
إحداها : سبه من ليس بأهل أن يُسب ، فإن الدهر خَلْقٌ مسخر من خلق الله ، منقاد لأمره ، مذلل لتسخيره ، فسابُّه أولى بالذم والسب منه .
الثانية : أن سبه متضمن للشرك ، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع ، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر ، وأعطى من لا يستحق العطاء ، ورفع من لا يستحق الرفعة ، وحرم من لا يستحق الحرمان ، وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة ، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جداً . وكثير من الجهَّال يُصرح بلعنه وتقبيحه .
الثالثة : أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ، وإذا وقعت أهواؤهم ، حمدوا الدهر ، وأثنوا عليه . وفي حقيقة الأمر ، فرب الدهر تعالى هو المعطي المانع ، الخافض الرافع ، المعز المذل ، والدهر ليس له من الأمر شيء ، فمسبتهم للدهر مسبة لله عز وجل ، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ، كما في (( الصحيحين )) من حديث أبي هريرة ، عن النبي r قال : (( قال الله تعالى : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر )) . فسابُّ الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما : إما سبه لله ، أو الشرك به ، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك ، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله ، فقد سب الله .
ومن هذا قوله r : (( لا يقولن أحدكم : تعس الشيطان ، فإنه يتعاظم حتى يكون مثل البيت ، فيقول : بقوتي صرعته ، ولكن ليقل : بسم الله ، فإنه يتصاغر حتى يكون مثل الذباب )) .
وفي حديث آخر : (( إن العبد إذا لعن الشيطان يقول : إنك لتلعن ملعناً )) .
ومثل هذا قول القائل : أخزى الله الشيطان ، وقبح الله الشيطان ، فإن ذلك كله يُفرحه ويقول : علم ابن آدم أني قد نلته بقوتي ، وذلك مما يُعينه على إغوائه ، ولا يًفيده شيئاً ، فأرشد النبي r من مسه شيء من الشيطان أن يذكر الله تعالى ، ويذكر اسمه ، ويستعيذ بالله منه ، فإن ذلك أنفع له ، وأغيظ للشيطان .

ثروت كتبي
12-28-2012, 08:19 PM
فصل


من ذلك : نهيه r أن يقول الرجل : خبثت نفسي ، ولكن ليقل : لقِسَتْ نفسي ، ومعناهما واحد ، أي : غثت نفسي ، وساء خُلقها ، فكره لهم لفظ الخبث ؛ لما فيه من القُبح والشناعة ، وأرشدهم إلى استعمال الحسن ، وهجران القبيح ، وإبدال اللفظ المكروه بأحسن منه .
ومن ذلك نهيه r عن قول القائل بعد فوات الأمر : (( لو أني فعلت كذا وكذا )) وقال : (( إن ( لو ) تفتح عمل الشيطان )) وأرشده إلى ما هو أنفع له من هذه الكلمة ، وهو أن يقول : (( قدَّر الله وما شاء فعل )) .
وذلك لأن قوله : لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني ، أو لم أقع فيما وقعت فيه ، كلام لا يُجدي عليه فائدة البتة ، فإنه غير مستقبل لما استدبر من أمره ، وغير مستقيل عثرته بـ (( لو )) ، وفي ضمن (( لو )) ادعاء أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه ، لكان غير ما قضاه الله وقدره وشاءه ، فإن ما وقع مما يتمنى خلاف إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته ، فإذا قال : لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع ، فهو مُحال ، إذ خلاف المقدر المقضي مُحال ، فقد تضمن كلامه كذباً وجهلاً ومحالاً ، وإن سلِم من التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بقوله : لو أني فعلت كذا، لدفعت ما قدر الله علي) انتهى .


المرجع
معجم المناهي اللفظية
بقلم : بكر بن عبد الله أبو زيد