حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام


العودة   شبكة تراثيات الثقافية > تراثيات المدن المقدسة > تراثيات التاريخ

كاتب الموضوع ثروت كتبي مشاركات 5 المشاهدات 2555  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-18-2011, 09:26 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي الكعبة وحملة الفيل .. تاريخ الكعبة

الكعبة وحملة الفيل .. تاريخ الكعبة

العرب بين الفرس والروم والاحباش :
في عهد عبد المطلب وقع حادث عظيم خلده القرآن الكريم واسهبت المصادر التاريخية في الحديث عنه . فقد حاول الاحباش يقودهم أبرهة غزو بلاد الحجاز وفتح مكة وهدم الكعبة . وكانت هذه هي أول محاولة لجيش اجنبي لغزو بلاد الحجاز وكان الفرس والروم قد فكروا مراراً في غزو بلاد الحجاز من الشمال ولكنهم عدلوا عن هذه المشروعات لاستحالتها . ثم كانت هذه المحاولة الحبشية بايعاز من الروم لغزو الحجاز من الجنوب ولكن خاب فالهم فللكعبة رب يحميها ويرد عنها المعتدين .

نجت بلاد الحجاز ونجد من الغزو والاستعمار الاجنبي . فلم تكن لهذه البلاد خيرات او مميزات تجذب الفاتح وتشجعه على تحمل وعورة السطح وقسوة المناخ بل ان هذه البلاد لا تجود حتى لسكانها ما يمكنهم من حياة رغدة .

وصف المؤرخ "سيديو" بلاد الحجاز فقال : ان الحجاز يجذب النفوس ويشوقها اكثر من غيره لاشتماله على اكثر مدائن العرب . ويتخلل ارض الحجاز كثبان من الرمال وآكام خصبة وهي مساكن القبائل وحول هذه الآكام قرى وضياع وهي قلاع حصينة تقيهم شر هجمات الاعداء وينبت بمنحدراتها بعض الحبوب والثمار التي تستعمل علفاً للماشية وبها عيون ماء كثيرة .

وتحد المؤرخ "واشنجتون ارفنج" عن مدى تعرض الجزيرة العربية للغزو فقال : ربما تدلنا دراسة اخلاق وطبائع العرب على الاسباب التي جعلت احوال العرب ثابتة على مر الزمن . فقد كان وضعهم الجغرافي وصحاريهم القاحلة الواسعة تحميهم من الغزو ، كما ادى نزاعهم وصارعهم المستمر ورغبتهم في الاستقلال الديني والسياسي الى ان صاروا بعيدين عن الغزو والاستعمار .

كانت كل من الدولتين الفارسية والرومانية تتمنى لو انها نجحت في بسط سلطانها على اقليم الحجاز فقد كانت الدولتان قبل ظهور الاسلام تتنافسان على مناطق النفوذ ، ولكن وعورة الطرق الموصلة الى الحجاز وطول خطوط الامدادات والتموين وجدب الصحراء ، وعدم وجود جيش عربي مركزي توجه اليه الدولة الفارسية او الدولة الرومانية جيوشها وجهودها ادى الى بقاء الحجاز فيايدي اصحابه من العرب بعيداً عن السيطرة الاجنبية .

حتى اذا لمس الفرس والروم عجزهم عن بسط نفوذهم السياسي على بلاد الحجاز اتجهوا الى بلاد اليمن حيث كانت تحكمها الدولة الحميرية العربية . وأخذ الرومان ينشرون المسيحية كتمهيد لبسط السيادة الرومانية ، وأدرك الفرس حقيقة اهداف الرومان فعملوا على الوقوف في وجه السياسة الرومانية وأخذوا يعرقلون التجارة الرومانية في الخليج الفارسي .

كانت اليهودية قد انتشرت في بلاد اليمن في العصر الحميري واعتنقها أحد ملوك الحميريين وهوذ ونواس ، وأخذ يضطهد المسيحيين فهاجم نجران معقل الجالية المسيحية وخير أهلها بين الارتداد عن المسيحية او القتل فاختاروا الاستشهاد من أجل عقيدتهم فقتلهم حرقاً في الخنادق . وكان الامبراطور البيزنطي يعتبر نفسه حامياً للمسيحيين ، ولذا غضب لما نزل بالمسيحيين في جران ، وكتب الى نجاشي الحبشة يامره بغزو اليمن والانقام من ذوينواس واستجاب النجاشي لنداء الامبراطور فبعث جملة تتألف من سبعين الف رجل بقيادة "أرباط" .

كانت الحبشة حينئذ في ذروة مجدها ، تجري بأمرها على البحار تجارة واسعة ، ويمخر لها العباب اسطول قوي يجعلها تتسلط بنفوذها على ما حاذاها من البلاد وكانت حليفة المبراطورية البيزنطية ورافعة علم المسيحية على البحر الأحمر ، كما كانت بيزنطة رافعة علمها على البحر المتوسط .

انتصر الاحباش على ذي نواس والحميريين سنة 523م ، وقد روى الطبري ان ذا نواس همز جوادة واقتحم امواج البحر ولم ير ثانية . وهكذا كانت خاتمة آخر حميري انتهى بذهابه عصر استقلال اليمن .

تظاهر الاحباش انهم قدموا للانتقام من ذي نواس لما حل بالمسيحيين في نجرانن ، ولكنهم كانوا يتخذون هذه الحجة ستاراً يخفون وراءه اغراضهم الاستعمارية . فقد اصبح ارباط حاكماً على بلاد اليمن وظل يتولى امور هذه البلاد حتى أخذ عليه قواده انحيازه الى فريق منهم في توزيع العطاء والغنائم ، فاجتمعوا بقيادة ابرهة وقضوا عليه . وبذلك خلا الجو لابرهة . فولي الحكم في اليمن بدلا من ارباط .

أقام الاحباش في اليمن كفاتحين وانقلبوا مستعمرين ، وظلوا من سنة 525 – 575م يهيمنون على بلاد اليمن واستثمروا مواردها الاقتصادية لمصلحتهم .

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك

  #2  
قديم 06-18-2011, 09:27 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي كنيسة صنعاء وكعبة مكة


كنيسة صنعاء وكعبة مكة :
اتخذ ابرهة من صنعاء عاصمة للمستعمرة الحبشية الجديدة في بلاد اليمن وبنى فيها واحدة من اعظم كاتدرائيات العالم فخامة وروعة وهي التي يسميها كتاب العرب ( القليس ) وهي مشتقة من كلمة يونانية ( اكليزيا ) . ومعناها كنيسة . وقد اراد الأحباش ان تكون هذه الكنيسة الكبرى نواة لدولة مسيحية كبرى في بلاد اليمن ثم تمد هذه الدولة نفوذها فيما بعد على شبه الجزيرة العربية فيصلون بذلك بين دولة الاحباش المسيحية والدولة الرومانية الشرقية ( البيزنطية ) التي تمتد الى مشارف الجزيرة العربية حيث تقوم امارة الغساسنة .

تميزت كنيسة صنعاء بالضخامة والفخامة ، ويرى الدكتور ( حي ) ان الاحباش المسيحيين كانوا ينوون تنصير البلاد وخلق منافس لمكة الوثنية التي كانت مركز الحجر في الشمال لان الحجر كان مورد دخل عظيم لاولئك الذين يسكنون في تلك المدينة التي كان يسافر اليها الحجاج او على مقربة من الطرق التي كانت تؤدي اليها . وقد نجح الاحباش بتأسيس ذلك المعبد الديني في الجنوب في اجتذاب الجماهير ، واصبح التنافس الاقتصادي عظيماً . ويذكر الاستاذ الدكتور طه حسين ان أبرهة رغم انه بذل جهداً كبيراً في ترغيب الناس في ان يتخذوا من كنيسته بصنعاءكعبة لهم الا ان العرب كانوا اهل وثنية ولجاج في الوثنية فكانوا يكبرون من أمر ابرهة ويعظمون سلطانه ويبتغون عنده المعروف ولكنهم كانوا يكرهون دينه وتأبى نفوسهم الاستجابة له ، وكان الذين يختلفون على كنيسته قليلين مهما كثروا .

سميت هذه الكنيسة ( القليس ) لارتفاع بنائها وعلوها وقد استذل ابرهة اهل اليمن في بنيان هذه الكنيسة ، وجشمهم فيها الواناً من السخرة وكان ينقل اليها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام ، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ ومن شدته على العمال كان العامل إذا طلعت عليه الشمس قبل ان يبدأ عمله قطعت يده .

كتب ابرهة الى النجاشي انه يريد ان يصرف حجاج العرب الى كنيسته ويحول تجارة قريش على صنعاء ، وجاء في رسالته : " بنيت لك بصنعاء بيتاً لم تبن العرب ولا العجم مثله ولن انتهي حتى اصرف حاج العرب اليه ويتركوا الحج على بيتهم " .

أثار مشروع ابرهة حفيظة العرب ، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن ودخل الكنيسة عبث بأثاثها وانتهك حرمتها . وغضب ابرهة لذلك اشد الغضب واقسم ليهدمن الكعبة وليحملن العرب على ان يحجوا الى كنيسته بالسيف بعد ا ناعياه حملهم على ذلك بالرفق واللين . وتحدث ابن هشام عن اثر قسم ابرهة في العرب فقال : " وسمعت بذلك العرب ، فاعظموه وقطعوا به ورأوا جهاده حقاً عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بين الله الحرام " .

ولم يكد النهار يتقدم حتى رفعت الانباء على ابرهة بأن أهل تهامة قد قتلوا ذلك الرجل الذي ارسله اليهم ملكاً ، فزادت ثورته وأمر بالاستعداد في حالة للقتال والرحيل على مكة وبعث برسالة الى النجاشي ينبئه باستعداده للحرب ، ويطلب منه ان يمده بالجنود والفيلة ، واستجاب النجاشي لطلبه ونجح ابرهة في تكوين جيش كثيف العدد كامل العتاد .

لم تكن محاولة الاحباش هدم الكعبة في مكة هي المحاولة الاولى لهدم هذا المكان المقدس . فقد كان بعض اهل اليمن قديماً يرجون الحلاص من الكعبة اما بهدمها او الاستحواذ عليها .

كان اهل اليمن قد بدأوا يهاجرون الى ارجاء الجزيرة العربية ولفتت مكة انظارهم واسترعت انتباههم وفكر بعضهم في الاستيلاء عليها للاستفادة مما كان الحجر الى الكعبة يقود به من منافع مادية ، واختلفت خطط تبابعة اليمن فبعضهم يريد هدم الكعبة فتصده القبائل المحيطة بالحرم خزاعة او قريش ويدنو بعضهم من الكعبة فيعظمها ليستولي عليها بالحيلة .

قدم قوم من هذيل من بنى لحيان الى ( تبع ) باليمن ينبئونه أن بمكة بيتاً تعظمه العرب جميعاً وتفد اليه ، وتنخر عنده ، وأ، قبيلة قريش تتولى الاشراف عليه ، فحازت المجد والشرف ، واقترح القوم على تبع أن يخرج لهدم الكعبة ، وأن يبني بيتاً آخر باليمن فيحوز ما حازته قريش.

خرج تبع من اليمن قاصداً مكة ليهدم الكعبة ، ولكن سرعان ما تأثر بما لبيت الله الحرام من رهبة وقدسية ، فقد أحجم عن هدمه ، بل كساه ونخر عنده . ويعلل المؤرخون هذا التحول بهبوب رياح وعواصف شديدة أوقعت الاضطراب في خيام اليمنيين مما أثار مخاوفهم وجعلهم يعدلون عن هدم الكعبة بل تقربوا لها بالهدي ، وعاد تبع الى اليمن يجر أذيال الخيبة ليعاقب هؤلاء الهذيليين الذين خدعوه وجعلوه يقوم بهذه المحاولة الفاشلة .

  #3  
قديم 06-18-2011, 09:28 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي مع أبرهة إلى مكة


مع أبرهة إلى مكة :
راينا أبرهة وقد ملأته الحماسة وهزه الغضب ، فعزم على أن يهدم الكعبة . وقد استعرضنا آراء كثيرة لعديد من المؤرخين ، فراينا من يرى أن أبرهة قد أراد أن يتخلص من الكعبة ليجذب العرب الى كنيسته بصنعاء ليحوز ما تستفيده قريش من قدوم الحجاج في كل سنة ، ورأينا من المؤرخين من أشار الى رغبة أبرهة في تنصير العرب جميعاً ، ورأينا منهم من ذهب الى أن أبرهة أراد أن يقود حملة تأديبية لتأديب العرب الذين انتهكوا حرمة كنيسته فلطخوها بالقاذورات والجيف .

ونحن نؤمن بصحة هذه الآراء جميعاً ، ونرى أنها تكاتفت جميعاً على دفع أبرهة للقيام بغزو مكة والشروع في هدم الكعبة ، فكان ما يسميه التاريخ بحملة الفيل أو حرب الفيل .

ولكننا نضيف الى هذه العوامل جميعاً عاملاً شخصياً يمس أبرهة وعلاقته بملكه نجاشي الحبشة . فقد أقدم أبرهة على قتل أرباط قائد النجاشي الذي هزم ذا نواس وانتزع بلاد اليمن من العرب الحميريين . وأدى قتل أرباط الى اثارة غضب النجاشي وسخطه على أبرهة ، فبعث يتوعده وأقسم أن يطأ أرض اليمن ويقطع راس أبرهة .

وخشي أبرهة أن يبر النجاشي بقسمه ، فبعث برسالة يطلب فيها العفو ويبرر ما أقدم عليه ، فقال : أيها الملك ، انما كان أرباط عبدك ، وأنا عبدك ، اختلفنا في أمرك وكلنا طاعة لك ، الا أني كنت أقوى على أمر الحبشة منه ، وأضبط وأسوس ، وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك ، وبعثت به اليه مع جراب من تراب أرضي ليضعه تحت قدميه فيبر بذلك قسمه .

ويبدو أن النجاشي رأى أن يخضع لواقع الأمر ، فعفا عن أبرهة ليضمن ولاءه ، وحتى لا يهدد أبرهة وحدة الجيش الحبشي بالانقسام . فكتب النجاشي لابرهة : "اثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري" .

خرج أبرهة على رأس الجيش الحبشي قاصداً مكة ، وقد امتطى ظهر فيل كبير اسمه "محمود" وسارت خلفه عدة أفيال على عادة الاحباش ، ولم يكن طريق ابرهة الى مكة سهلا ميسوراً ، فقد قابلته عقبات وصعوبات كان أولها اعتراض رجل من أشراف اليمن يقال له "ذو نفر" ، فقد استنفر قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصده عما يريد من هدم بيت الله ، وكان ذو نفر حليفاً لقبيلة قريش ، ولكنه لم يستطع الصمود طويلاً أمام جيش أبرهة الكثيف العدد ، الزاخر بالسلاح والفيلة ، فلحقت به الهزيمة ووقع في أيدي الأحباش أسيراً ، واراد أبرهة أن يقتله فاستعطفه ذو نفر وقال : أيها الملك لا تقتلني فانه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي . فعفا أبرهة عنه . وحبسه عنده في وثاق .

بلغ جيش أبرهة تهامة اليمن ، فخرج قوم من أهلها اشتهروا بالبأس والشجاعة ، وهم بنو خثعم ، بقيادة زعيمهم نفيل بن حبيب الخثعمي ، وكان جيشه يتألف من جميع بطون خثعم وأشهرها شهران وناهس ، واستبسل بنو خثعم في القتال ، ولكن أبرهة نجح أخيراً في هزيمتهم ، وأسر رئيسهم نفيل ، وأراد قتله . وربما كان نفيل محباً للحياة ، فقد استعطف أبرهة وطلب عفوه عنه فقال : أيها الملك ، لا تقتلني فاني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم ، شهران وناهس ، بالسمع والطاعة . وعفا ابرهة عنه ، وتقدم نفيل ليدل الأحباش الى الطريق الذي يقودهم الى مكة .

مضى الجيش الحبشي في طريقه ، حتى بلغ مدينة الطائف ، أجمل مدن الحجاز واخصبها ، فخرجت اليه قبيلة ثقيف بزعامة مسعود بن معتب يعلنون لأبرهة ولاءهم وميلهم الى السلام ن وغالوا في استعطاف ابرهة فقالوا : أيها الملك ، انما نحن عبيدك ، سامعون مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد – يعنون اللات – انما نريد البيت الذي بمكة ، ونحن نبعث معك من يدلك عليه .

وكان هذا الدليل هو أبو رغال الذي قادهم الى المغمس على مشارف مكة : وهناك وافت المنية أبا رغال . وسخط العرب على أبي رغال هذا فاعتادوا رجم قبره .

كانت منزلة قبيلة ثقيف في الطائف على مثيلة منزلة قريش في مكة . وكانت القبيلتان تتنافسان وتتحاسدان . وقد حاولت ثقيف أن تنافس قريشاً في ميدان التجارة ، فكانت لها قوافلها التي ترحل دائماً بين العراق واليمن ، مثلما كانت قبائل قريش ترحل بين الشام واليمن ، وقد بنت ثقيف في الطائف بيت اللات ليكون لها بيتاً مقدساً ككعبة قريش . ولذا لا عجب أن ثقيفاً كانت تتمنى أن ينجح أبرهة في هدم الكعبة والقضاء على مجد قبيلة قريش ، فترث ثقيف مكانتها بين القبائل العربية .

  #4  
قديم 06-18-2011, 09:29 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي إخفاق حملة الفيل


إخفاق حملة الفيل :
خرج أبرهة على رأس الجيش الحبشي قاصداً مكة ، وقد امتطى ظهر فيل كبير اسمه "محمود" ، وخلفه عدة أفيال على عادة الأحباش . نزل أبرهة "المغمس" وهو موضع على ثلثي فرسخ من مكة ، وبعث بفريق من جنده استولى على كثير من أموال قريش ومتاعها ومنها مائتا بعير لعبد المطلب بن هشام زعيم قريش . وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس قتال الأحباش ، فرأوا أن لا طاقة لهم بهم .

ثم بعث أبرهة رسولا الى مكة يدعى حناطة الحيري وقال له : سل عن سيد هذا البلد ثم قل له ان الملك يقول لكم اني لم آت لحربكم ، وانما جئت لهدم البيت ، فان لم تعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم ، فان لم يرد حربي فيه . ونقل حناطة الحديث الى عبد المطلب فأجاب عبد المطلب : والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم .

انطلق عبد المطلب مع حناطة يصحبه بعض أبنائه حتى بلغ معسكر أبرهة ، وقام ترجمان يجيد لغتي العرب والأحباش بالترجمة ، فسأل الترجمان عبد المطلب عن حاجته فأجاب : حاجتي الى الملك أن يرد علي مائتي بعير اصابها لي . وتعجب أبرهة من مقال عبد المطلب وقال للترجمان : قل له كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير قد أصبتها لك ، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فأجاب عبد المطلب : اني أنا رب الابل وان للبيت رباً سيمنعه . فقال أبرهة : ما كان لمنع عني . فقال عبد المطلب أنت وذاك .

عرض عبد المطلب على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن مكة ولا يهدم البيت فأبي أبرهة الا أن يمضي في تنفيذ ما قدم من أجله . وعاد عبد المطلب الى مكة غاضباً وهو ينشد :

يا أهل مكة قد وافاكـم ملك --- مع الفيول على أنيابها الزرد
هذا النجاشي قد سارت كتائبه --- مع الليوث عليها البيض تتقد
يريد كعبتكم والله مانعـــه --- كمنع تبـع لما جاءها حرد

وأمر عبد المطلب قريشاً أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال ، وقدم الابل التي استردها من أبرهة هدياً للكعبة . ووقف بباب الكعبة وهو يقول :

يا رب لا أرجو لهم سواكا --- يا رب فامنع منهم حماكا
ان عدو البيت من عاداكا --- فامنعهم أن يخربوا قراكا

أخفقت المفاوضات بين أبرهة وعبد المطلب ، وأصبح السلام مستحيلاً وبقي تحكيم السيف واستعد أبرهة لدخول مكة وهدم الكعبة . وبدأ الجيش الحبشي الرحيل ، وكان بين المكان الذي عسكر الجيش فيه وبين مكة مسيرة ثلاث أيام .

برك الفيل "محمود" ، فكان اذا دنا منه ساسته لينهضوه نهض معهم ، حتى اذا وجهوه الى مكة برك من جديد . ويجد ساسته بعد ذلك في انهاضه فلا يبلغون منه شيئاً يحثونه ويؤذونه ويضربونه ، ويبلغون به أقسى ما يهيج الفيل فلا ينهض ، حتى اذا أداروا رأسه نحو الشام أو نحو اليمن أو نحو الشرق نهض مهرولا ، فاذا أداروا رأسه نحو مكة برك ولم يتقدم .

ثم جاءت خاتمة المأساة ، ويروي المؤرخون القدامي أن الله قد أرسل من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها : حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ن أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب أحداً منهم الا هلك . ووصف المؤرخ المسعودي مصير الجيش فقال : "فأرسل الله عليهم الطير الأبابيل أشباه اليعاسيب ترميهم بحجارة من سجيل ، وهو طين خلط بحجارة خرجت من البحر معكل طير ثلاثة أحجار ، فأهلكهم الله عز وجل" .

وخلد القرآن الكريم هذا الحدث التاريخي الكبير ، فنزلت سورة الفيل : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ *} .

يرى بعض المؤرخين أن الطير الأبابيل وحجارة السجيل كناية عن وباء اجتاح الجيش الحبشي ، ويذكر ابن اسحق والازرقي أن أول ما عرفت الحصبة والجدري بأرض العرب هذا العام .

هلك معظم جند أبرهة ، ونجت القلة القليلة . وممن نجا انيس سائس الفيل وخادمه وقد لجآ الى مكة وعاشا بها الى أن شاخا وعميا ورأتهما السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها يتسولان في شوارع مكة . أما أبرهة فقد مسه حجر فصرع : وظهر على جسمه بلاء عظيم ، وأخذت أجزاء جسمه تتساقط حتى مات .

  #5  
قديم 06-18-2011, 09:30 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي نتائج إخفاق حملة الفيل


نتائج إخفاق حملة الفيل :
كان قدوم جيش أبرهة الى مكة على هذه الصورة التي شهدناها حدثاً خطيراً ، وتجربة قاسية تعرض لها عبد المطلب وقريش وأهل مكة . وتطلع العرب الى ما تخبثه الايام ، ولكن الله سبحانه وتعالى دافع عن بيته الحرام ، وتصرف عبد المطلب بحكمة وحسن تدبير ، فجنب قومه الأخطار والمهالك : ولذا لا عجب أن ارتفع ذكره وعظم شأنه بين العرب جميعاً .

تحدث المؤرخ "براون" عن غزو الاحباش للكعبة فقال : ان عام الفيل يعتبر فاتحة عصر جديد في تاريخ العرب القومي .وتحدث الدكتور هيكل عن نتائج هذه الحملة فقال : زاد هذا الحادث الفذ العجيب في مكانة مكة الدينية . وزاد تبعاً لذلك ، في مكانتها التجارية ، وزاد أهلها انصرافاً عن التفكير في شيء غير الاحتفاظ بتلك المكانة الرفيعة الممتازة ، ومحاربة كل من يحاول الانتقاص منها أو الاعتداء عليها وزاد المكيين حرصاً على مكانة مدينتهم ما كانت تتيحه لهم من رخاء وترف على أوسع صورة يستطيع الذهن تصورها للترف في هذه الجهة الصحراوية الجرداء .

وعادت الحياة الهانئة الوادعة الى مكة بعد هذا الحادث ، فأخذ أهلها يجلسون في كل صباح ومساء الى جانب نيف وثلاثمائة صنم ، يقص بعضهم على بعض أخبار البادية وما يقع في مدن الحجاز والحيرة والغساسنة .

أعظمت العرب قريشاً وقالوا : "الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم" فجعلوا يقولون في ذلك الاشعار ، قبل نزول السورة الكريمة بأربعين عاماً . وجاءت هذه السورة لتأييد التاريخ واظهار محبة الله للبيت الحرام حتى قبل البعثة المحمدية ، فقد أمر الله ابراهيم واسماعيل ببناء الكعبة لاحياء كلمة التوحيد التي يعيدها محمد ، وقد حمى الله الكعبة لتكون بعد أربعين عاماً كعبة المسلمين وقبلتهم .

كان اخفاق حملة الفيل معجزة كبرى ، وشاء الله أن يمعن في الانتقام من الأحباش لإقدامهم على محاولة هدم الكعبة ، فما لبث أن أزال حكمهم من بلاد اليمن ، فخلت الجزيرة العربية من آثار النفوذ الحبشي .

بعد فترة وجيزة من هزيمة أبرهة ، قامت حركة وطنية في دولة حمير لتخليص اليمن من حكم الأحباش وكان على رأس هذه الحركة سيف بن ذي يزن الحميري الذي سعى في انقاذ قومه من الأحباش ، فسار الى ملك الحيرة العربي ليتوسط له لدى كسرى أنوشروان ليمده بقوة يستعين بها في اخراج الاحباش من بلاد اليمن وكان العرب المسيحيون في تلك البلاد يتطلعون الى الحماية والرعاية من الروم ، كما كان اليهود والوثنيون من العرب يلوذون بالفرس ويطلبون العون منهم . فلما استنجد سيف بن ذي يزن بكسرى ، أمده بحملة سنة 575م بقيادة وهرز وقد تغلب القائد على الأحباش في اليمن بقيادة مسروق بن أبرهة ، وأنقذ وحدة البلاد من حكمهم البغيض .

فرح عبد المطلب لخلاص بلاد اليمن ، والجزيرة العربية كلها ، من النفوذ الحبشي ، وشعر بالحبور اذ تولى أمر بلاد اليمن عربي هو سيف بن ذي يزن ، وعبر عبد المطلب عن حبوره وسروره ، بأن رأس وفداً من وجوه قريش ، وخرج بهم من مكة الى بلاد اليمن لتهنئة ابن ذي يزن بانتصاره على الأحباش وتوليه السلطة في بلاده ، وكان من أبرز هؤلاء الوجوه أمية بن عبد شمس وخويلد بن أسد ، والقى عبد المطلب خطبة طويلة في حضرة ابن ذي يزن ، ورد عليه هذا بخطبة مثلها .

رحب ابن ذي يزن بعبد المطلب وقال له : مرحباً بابن أختنا . فقد كانت سلمى أم عبد المطلب من الخرج ، وهم من اليمن من سبأ ، وكان سيف من حمير من سبأ .

كان اخفاق حملة الفيل محوراً لنشاط أدبي كبير ، فقد اتخده كثير من الشعراء موضوعاً لقصائد عصماء . نذكر منهم عبدالله بن الزبعرى ، وأبو قيس بن الأسلت ، وطالب ابن أبي طالب بن عبد المطلب وأبو الصامت بن ربيعة الثقفي ، والفرزدق ، وعبدالله بن قيس الرقيات ، وغيرهم .

أشار علماء اللغة المسلمون والمستشرقون إلى عدد من الألفاظ العربية ذكروا أنها من أصل حبشي ، وهي من الألفاظ التي كانت مستعملة معروفة قبل الإسلام ، وقد ورد بعضها في الشعر الجاهلي .

خلفت حملة أبرهة فلولا هاربة مما لحق بجيش أبرهة . لم تر بدا من الحياة في مكة . فيذكر ال.رقي : " وأقام بمكة فلال من الحبش وبعض من ضمه العشكر يعتملون وزرعون لمكة " .

ولما ظهر الإسلام بمكة ، أسرع عدد وافر من هؤلاء الأحباش إلى اعتناقه : فجر ذلك عليهم اضطهاد أوليائهم وقبائلهم ، كما كان من أسباب اشتداد الخصومة بين الرسول وقريش . من هذه الطبقة المغلوبة على أمرها أبو رافع : وبلال ، وعامر بن فهيرة ، ووحشي قاتل حمزة يوم أ؛د ، وضؤاب حامل لواء قريش في ذلكاليوم كل هؤلاء كانوا أرقاء قد نص في كتب السيرة على ساداتهم وعلى طريقة تحرر بعضهم من الرق .

كان اخفاق أبرهة حادثة تاريخية ، وفاتحة خير على العرب عامة وقريش خاصة ، حتى انهم أصبحوا يؤرخون بها حوادثهم . فقد مهدت السبيل لقبول الدعوة الإسلامية والقيام بنصرتها ، ونشر دين توحيد جديد هو دين الحنفية ، إذ لو أتيح لهذا الجيش الحبشي النصر والظفر لتتغير وجه التاريخ ، وانتشر الدين المسيحي بين العرب ، وانصرف الناس عن مكة إلى صنعاء .

ولد الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الفيل : وتاريخه 570م . وحملة الفيل هي " حرب السبعين " في جزيرة العرب التي باء فيها الأحباش واليمنيون بالخسران . وكان عام النهضة بمولد نبي المستقبل ، وفوجئ عبد المطلب في هذا العام بكوارث عدة منها موت ولده عبدالله ، وهجوم الأحباش على وطنه ، وانزعاجه بضياع ابله التي كافح لدى أبرهة في استردادها حتى أعادها إلى قوافل الميرة . ولكن الله عز وجل عوضه بمولد حفيده الكريم محمد عن هذه الكوارث جميعاً . فكان مولده ايذاناً بشروق شمس الهدى في الجزيرة العربية .

  #6  
قديم 06-18-2011, 09:33 PM
الصورة الرمزية ثروت كتبي
ثروت كتبي ثروت كتبي غير متواجد حالياً
المؤسس ورئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
الدولة: مكة المكرمة
العمر: 43
المشاركات: 4,249
معدل تقييم المستوى: 50
ثروت كتبي تم تعطيل التقييم
افتراضي نقد وتحليل لموقف عبد المطلب


نقد وتحليل لموقف عبد المطلب :
اتخذ عبط المطلب سياسة الدفاع بدلا من الهجوم ، وفاوض أبرهة من أجل الجلاء عن مكة والعودة من حيث أتى ، ولم يبادره بالهجوم أو القتال . فهل أتت هذه السياسة بالفائدة المرجوة منها ؟ ونستطيع أن نقول أن عبد المطلب كان حكيماً في اتخاذه هذه السياسة ، بل إنها كانت السياسة الوحيدة التي يمكن انتهاجها في مثل هذه الموقف الحرج .

كان الجيش الحبشي كثيف العدد ، يزخر بالسلاح والعتاد ، وقد بذل أبرهة جهداً كبيراً في إعداده وامداده بالذخائر والتموين ، واستعان بما وجده في بلاد اليمن ، وبما أرسله النجاشي له من الحبشة ، فقد بعث له بالرجال والسلاح والفيلة . وهو جيش منظم ، اعتاد الحرب ، وخبر فنون القتال ، وهو الجيش الذي نجح في القضاء على المملكة الحميرية ، وهو جيش الاحتلال الذي يستعين به الأحباش لتدعيم الاستعمار الحبشي في بلاد اليمن .

أدرك أهل مكة أنهم عاجزون عن مواجهة أبرهة ، إذ أن ذلك يعرضهم ويعرض مكة للهلاك . وكانت قبيلة قريش قبيلة تجارية ولم تكن قبيلة حربية ، بل انتهجت سياسة سلمية في الجزيرة العربية ، لتضمن سلامة قوافلها التجارية ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة ، وقد وصف الجاحظ قبيلة قريش وعدد مزاياها ، فوصها بالكرم والسخاء ، والعقل والدهاء ، والسياسة والتدبير ، ولكنه لم يتحدث عن ميلها للحرب أو الغزو وتحدث المؤرخ كرد علي عن قريش فقال : أخذت قريش تضرب في البلاد إلى قيصر بالروم والنجاشي بالحبشة ، والمقوقس بمصر وكسرى بالعراق تجعل من أرضهم متجراً لها ، ذلك لأن قريشاً زهدت منذ زمن بعيد في الغصوب ، فلم يبق لهم مكسبة سوى التجارة ، وبالتجارة عرفوا ما جاورهم من الأمم والشعوب وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء .

أيقنت قريش بعدم جدوى القتال لتفوق الجيش الحبشي في العدد والسلاح والامدادات . ويؤكد المؤرخون القدامى أن قريشاً رغبت في أول الأمر في القتال ولكنها غلبت الحكمة والعقل ، فيروي الطبري : " فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بالحرم من سائر الناس بقتاله ، ورأوا أن لا طاقة لهم به ، وأدرك عبد المطلب بحكمته وحسن تدبيره أنه عاجز عن صد هذه الاعداد الكبيرة من الجند الأحباش ، بل اعترف بذلك لرسول أبرهة إليه فقال : " والله ما نريد حربه ( أي أبرهة ) وما لنا بذلك من طاقة " .

كانت مدينة مكة مقدسة إذ بها بيت الله الحرام ، ولذا حرص العرب على أن يسود السلام هذه المدينة ، وأن يجنبوها الحرب والقتال . وقد جعل عبد المطلب مكة " مدينة مفتوحة " وهي السياسة التي شهدناها في بعض مدن أوربا في الحرب العالمية الثانية ، فقد أصبحت هذه المدن مدناً مفتوحة لأهميتها الحضارية وللحفاظ على ما فيها من تراث بشري . وقد أعلن أبرهة أنه لم يقدم للحرب وحدد أهدافه بهدم الكعبة فقال لعبد المطلب : " إني لم آت لحرمكم ، إنما جئت لهدم البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة إلي بدمائكم " . ولذا رأي عبد المطلب ألا يكون البادئ بالقتال ، كما أن أبرهة كان هو البادئ بطلب الدخول في مفاوضات مع عبد المطلب ، ورأى عبد المطلب أن ينسحب لدعوة أبرهة ن فقد تؤدي هذه المفاوضات إلى تجنب مكة شر القتال .

ولم يقف عبد المطلب موقفاً سلبياً من الهجوم الحبشي ، فقد لجأ إلى وسيلتين لحماية أهل مكة ، بعد أن رأى عدم جدوى الاتجاء إلى السلاح . أولها وسيلة دفاعية قد تكون أكثر جدوى من الهجوم ، فقد " أمر قريشاً أن تلحق ببطون الأودية ورؤوس الجبال " . أما الوسيلة الثانية فهي إغراء أبرهة بالمال والذهب فقد عرض عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن مكة ولا يهدم البيت : ولكن أبرهة رفض هذه العروض .

أسست قريش في مكة وحول الكعبة حكومة جمهورية صغيرة ، ولما كانت قريش تعتمد في حياتها على التجارة فقد انتهجت سياسة سلام وصداقة مع جميع الدول والقبائل ، وعملت على حفظ التوازن بين سائر القوى العربية ن وفض المشاكل بالطرق السلمية .

جعل الأحباش الفيلة في مقدمة جيشهم ، وكانت هذه الحيوانات تثير مخاوف العرب وتجعلهم يترددون في مواجهتها . والتاريخ يعيد نفسه ، فقد استعان الفرس خلال الفتوحات الإسلامية لأراضي الدولة الفارسية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بالفيلة ، فقد أراد الفرس أن يحيلوا هزائمهم نصراً فيبثوا الرعب في قلوب الجند المسلمين ، فجعلوا الفيلة في مقدمة جيوشهم ، فلما رأتها خيول المسلمين أجفلت ، فقد غطى الفرس الفيلة بسعف النخيل وعلقوا عليها الأجراس . وتقدم قائد الجيش الإسلامي أبو عبيد بن مسعود الثقفي ، فهجم عليه فيل أبيض ن فوجه أبو عبيد إليه ضربة بسيفه تلقاها الفيل بقدمه ، وما لبث الفيل أن أوقع أبا عبيد أرضاً وداسه بأقدامه . ثم نجح القائد عبد الله بن مراد الثقفي أن يقود المسلمين ويعبر بهم نهر الفرات فنجوا من الفيلة .

أراد عبد المطلب أن يضمن سلامة الكعبة بيت الله الحرام ، وكان اشتباكه مع الأحباش في حرب يعرضها للتهدم وهو الغرض الذي قدم الأحباش من أجله . والتاريخ يروي كيف أدى قتال عبدالله بن الزبير للقائدين الأمويين الحصين ابن نمير في عهد الخليفة الأموي يزيد بن معاوية ، والحجاج بن يوسف الثقفي في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، إلى تصدق أجزاء من الكعبة . وكان ابن الزبير قد لاذ بالكعبة وظن أن الأمويين سيحجمون عن قتاله عند الكعبة لحرمتها ، وسمى نفسه "العائذ بالبيت" .

كما أن مكة وموقعها الجغرافي وطبيعتها لا تجعلها تصلح لتكون ساحة قتال فالجبال تحيط بها من معظم جهاتها ، وتجعل الكر والفر عسيراً ، كما كانت مكة فقيرة في موارد مياهها وامداداتها وتموينها . مما يجعلها لا تحتمل حصاراً طويلاً أو حرباً عامة .

علم عبد المطلب برحلة أبرهة من صنعاء باليمن إلى مكة ، فقد نجح في الحاق الهزيمة بذي نفر وقومه وبني خثعم في تهامة اليمن ، وأسر زعيمهم نفيل بن حبيب الخثعمي ، واضطر ذو نفر ونفيل الى طلب الرحمة والعفو من أبرهة . كما علم عبد المطلب بموقف عرب ثقيف بالطائف فقد اتخذوا موقفاً عدائياً وشجعوا أبرهة على غزو مكة وخرجوا يدلونه الى الطريق . ولذا رأى عبد المطلب أن يستفيد من تجارب الآخرين .

وكان عبد المطلب والقرشيون واثقين من حدوث معجزة تدفع خطر الأحباش عن مكة وتنقذ الكعبة من هجوم أبرهة . وتجلى هذا واضحاً في قول عبد المطلب لأبرهة : "وان للبيت رباً سيمنعه" . وفي توجهه الى الله تعالى بالدعاء قائلاً :

يا رب لا أرجو لهم سواكا --- يا رب فامنع منهم حماكا
ان عدو البيت من عاداكا --- فامنعهم أن يخربوا قراكا

وكان عبد المطلب على حق في انتظار هذه المعجزة ، فقد مر القرشيون بتجارب مماثلة ، وقد رأينا كيف حاول تبابعة اليمن الخلاص من الكعبة ، اما بهدمها أو الاستحواذ عليها . ورأينا كيف حاول "تبع" هدم الكعبة ، ولكن الله أنقذ بيته الحرام ، فقد هبت عواصف ورياح على المعسكر التبعي ، كفت أهل مكة شر القتال .

وقد أنشد عبد المطلب بعد اخفاق أبرهة أبياتاً من الشعر تحدث فيها عن حماية الله لبيته الحرام ، وذكر ما حدث لتبع الحميري اليمني ، ثم لأبرهة الأشرم القائد الحبشي ، فقال :

أيها الداعي لقد اسمعتني --- ثم ما بي عن نداكم من صمم
ان للبـيـت لرباً مانعاً --- من يـرده بأثام يصطلــم
رامه تبع فيمـن جندت --- حمير والحـي من آل قدم
فانثنى عنه وفي أوداجه --- جارح أمسك منه بالكظم
قلت والأشرم تردى خيله --- ان ذا الأشرم غر بالحرم
يتبع : نذر عند الكعبة

المرجع
تاريخ الكعبة – د.علي حسني الخربوطلي – بتصرف

موضوع مغلق

الكلمات الدلالية (Tags)
الكعبة ، وحملة ، الفيل ، تاريخ ، الكعبة

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 04:26 PM بتوقيت مكة المكرمة


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd منتديات
F.T.G.Y 3.0 BY: D-sAb.NeT © 2011