شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : غار ثور .. مكة المكرمة


ثروت كتبي
01-21-2011, 05:48 PM
غار ثور .. المعالم التاريخية .. مكة المكرمة


يلفظ ثور البقر ، ربما أخذ اسمه من شكله الذي يشبه الثور مستقبلاً الجنوب ، أحد أثبرة مكة ، كان يعرف باسم أطحل على وزن أفعل ، ومن الطحلة وهو لون معروف ، يرى من عمرة التنعيم جنوباً ، ويمتد من الشمال إلى الجنوب ، ويرتفع عن سطح البحر بـ 755م ، وفيه قال أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم :

وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه *** وعير وراق في حراء ونازل

شهرته تغني عن التعريف به ، فقد ارتبط بأهم حدث من أحداث السيرة النبوية العطرة على صاحبها أفضل صلاة وأتم التسليم ، فقد اختبأ في أحد غيرانه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما هربا من قريش مهاجرين إلى المدينة المنورة ، وفيه أنزل الله عز وجل قوله تعالى : { إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ، [التوبة : 40] .
أصبح هذا الجبل التاريخي اليوم مطلاً على حي الهجرة من الشمال ، وعلى حي بطحاء قريش من الغرب ، وعلى أسفل العوالي من الجنوب الشرقي ، وعلى مخطط النسيم من الشرق ، ويفصله عن هذه الأحياء والمخططات طرق سريعة .
وقد عثر في أحد السفوح بهذا الجبل على عدد من النقوش الإسلامية المبكرة لشخصيات قامت بزيارة الغار .
زاره البتنوني ووصفه قائلاً : ".. ثم جبل ثور وهو إلى الجنوب من جهة المسفلة وعلى ساعتين منها ، وفيه الغار الذي اختفى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم زصاحبه أبي بكر حين قصد الهجرة إلى المدينة ، ومساحته نحو مترين مربعين" .
ووصفه إبراهيم رفعت باشا بقوله : "... والطريق من مكة إلى الجبل تحفه الجبال من الجانبين وبه عقبة صغيرة يرتفع إليها الإنسان وينحدر منها ، ولم يستغرق قطعها إلى 3ق ، وبالطريق سبعة أعلام مبنية بالحجر ومجصصة فوق نشوز من الأرض يبلغ ارتفاع الواحد منها ثلاثة أمتار وقاعدته متر مربع وتنتهي بشكل هرمي ، وهذه الأعلام على يسار القاصد للجبل ، وبين كل أثنين منها بعد يتراوح بين 200 متر و 1000 متر ، وكل واحد منها وضع عند تعريجة حتى لا يضل السالك عن الجبل ، وساعة بلغنا الجبل قسمنا قوتنا قسمين قسم صعد معنا إلى الجبل ، والآخر وقف بسفحه يرد عنا عادية العربان إن هموا بالأذى .. وقد تسلقنا الجبل في ساعة ونصفها بما في ذلك دقائق لأن الطريق وعر حلزوني ، وقد عددت 54 تعريجة إلى نصف الجبل ، وكنا آونة نصعد وأخرى ننحدر حتى وصلنا الغار بسلام ، ولولا الاصلاح الذي أحدثه المشير عثمان باشا نوري الذي ولي الحجاز سنة 1299هـ ، والمشير السيد إسماعيل حقي باشا الذي كان والياً على الحجاز وشيخاً للحرم سنة 1307هـ ، لازدادت الصعوبة وظل السائر عن الطريق ولم يهتد إلى الغار لعظم الجبل واتساعه وتشعب مسالكه ، وكان من أثر إصلاحهما جعل الطريق بهيئة سلالم تارة تتصعد وأخرى تنحدر ، على أنه مع ذلك لا يزال العروج صعباً ، فقد رأيت بعض الصاعدين امتقع لونه وخارت قواه فوقع على الأرض مغشياً عليه ، ولولا أننا تداركناه بجرعة من الماء شربها وصبابة منه سكبناها على رأسه حتى أفاق لباغتته المنية ، ولهذا ننصح الزائرين بأن يتزودوا من الماء ليقوا أنفسهم شر العطش ، ولما بلغنا الغار وجدناه صخرة مجوفة في قمة الجبل أشبه بسفينة صغيرة ظهرها إلى أعلى ، ولها فتحتان في مقدمها واحدة وفي مؤخرها أخرى ، وقد دخلت من الغربية زاحفا على بطني ماداً ذراعي إلى الأمام ، وخرجت من الشرقية التي تتسع عن الأولى قليلاً بعد أن دعوت في الغار وصليت ، والفتحة الصغيرة عرضها ثلاثة أشبار في شبرين تقريباً ، وهي الفتحة الأصلية التي دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي في ناحية الغرب ، أما الفتحة الأخرى فهي في الشرق ، ويقال : أنها محدثة ليسهل على الناس الدخول إلى الغار والخروج منه ، والغار من الجبل في الناحية الموالية لمكة ، وقد وجدنا بجانبه رجلاً عربياً بتناول الصدقات من الزائرين في مواسم الحج ويرشدهم إلى الغار إذ توجد هناك صخور تشبه صخرته ولكنها لا تمثلها تماماً ، وقد مكثنا فوق ظهر الجبل ساعتين أكلنا فيهما وشربنا وتناولنا الشاي وتفقدنا كثيراً من نواحي الجبل ، وقد نزل في خلالها القسم الذي زار وجاء القسم الذي تركناه بسفح الجبل ليزور ، وقد قدم علينا ونحن على ظهر الجبل نحو عشرين من حجاج الداغستان ، ففرحوا بنا ورافقونا إلى أن رجعنا إلى مكة ، ولا يقصد زيارة هذا الغار وغار حراء إلا قليل من الأتراك والمغاربة والداغستانيين ، ولم يسبقنا إلى هذه الزيارة أحد من المصريين بل ولا من المكيين إلا ما ندر ، وقد بلغني من أناس يقيمون بمكة منذ أربعين سنة أنهم لم يصعدوا إلى هذين الجبلين ولا رأوا من المصريين أو مرافقي المحمل من قصدها فلله المنة علينا ، وارتفاع جبل ثور يزيد على 500 متر والواقف في أعلاه يشرف على كل ما حواليه من الجبال ويرى مكة وما حولها واضحة ظاهرة ، وكذلك يرى حدة (بالحاء المهملة) بنخلها ، وبأعلى ثور علم يسترشد به الناس لمعرفة هذا الجبل ، وهو مبني بالحجر ومبيض بالجص ، ويشبه الأعلام التي وصفناها قبلاً في طريقه ، والجبل ذو ألوان مختلفة من ذهبي وفضي وما يشبه الإسمنت وما يماثل المرمر ، وربما كانت له ألوان أخرى في جهات لم أرها ..." .


المراجع
أ.د ناصر بن علي الحارثي ، الآثار الإسلامية في مكة المكرمة ، ص81-85 .