شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : ماشطة بنت فرعون


ريمة مطهر
05-11-2011, 09:14 PM
الماشطة

ماشطة بنت فرعون .. لم يحفظ التاريخ اسمها ولكنه حفظ فعلها .

امرأة صالحة كانت تعيش هي وزوجها في ظل ملك فرعون . زوجها مُقرّب من فرعون ، وهي خادمة ومربية لبنات فرعون . فمّن الله عليهما بالإيمان ، فلم يلبث زوجها أن علم فرعون بإيمانه فقتله . فلم تزل الزوجة تعمل في بيت فرعون تمشط بنات فرعون وتنفق على أولادها الخمسة تطعمهم كما تطعم الطير أفراخها .

أهم ملامح شخصيتها
إنها المرأة التي ضربت لنا مثالاً طيباً للمسلمة التي تعرف اللَّه حق معرفته ، وتتمسك بدينها ، وتصبر في سبيله ، وتمُتَحن بالإرهاب ، فلا تخاف ، وتبتلي بالعذاب فلا تهن أو تلين ، كما كانت مثالاً في صبرها واحتسابها و قوة إيمانها وتضحيتها بأبنائها وبنفسها من أجل كلمة التوحيد .

ثوابها
لما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم شمَّ ريحاً طيبة ، فقال : " يا جبريل ما هذه الريح الطيبة ؟ " قال : هذه ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها . [ ابن ماجة ]

ما أعظم ثباتها وأكثر ثوابها ولقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي ( لمّا أسرى بي مرت بي رائحة طيبة . فقلت : ما هذه الرائحة ؟ فقيل لي : هذه ماشطة بنت فرعون وأولادها ) .

بطش فرعون لأتباع موسى عليه السلام
انتشر أمر موسى عليه السلام وكثر أتباعه ، وأصبح المؤمنون برسالته خطراً مستمراً يهدد فرعون ومُلكه ، وظل فرعون في قصره في حالة غليان مستمر يمشي ذهاباً وإياباً ، يُفكر في أمر موسى عليه السلام ، وماذا يفعل بشأنه وشأن أتباعه ، فأرسل في طلب رئيس وزرائه هامان ؛ ليبحثا معاً ذلك الأمر ، وقررا أن يقبض على كل من يؤمن بدعوة موسى عليه السلام ، وأن يُعذب حتى يرجع عن دينه ، فسخَّر فرعون جنوده في البحث عن المؤمنين بدعوة موسى عليه السلام ، وأصبح قصر فرعون مقبرة للأحياء من المؤمنين باللَّه الموحدين له ، وكانت صيحات المؤمنين وصرخاتهم ترتفع من شدة الألم ، ووطأة التعذيب تلعن الظالمين وتشكو إلى ربها صنيعهم .

وشمل التعذيب جميع المؤمنين ، حتى الطفل الرضيع لم ترحمه يد التعذيب ، فزاد البلاء ، واشتد الكرب على المؤمنين ، فاضطر كثير منهم إلى كتمان إيمانه ؛ خوفاً من فرعون وجبروته واستعلائه في الأرض ، ولجأ الآخرون إلى الفرار بدينهم بعيداً عن أعين فرعون .

تعذيب فرعون لها ولأولادها
وكان في قصر فرعون امرأة تقوم بتمشيط شعر ابنته وتُجميلها ، وكانت من الذين آمنوا ، وكتموا الإيمان في قلوبهم ، فبينما هي تمشط ابنه فرعون يوماً إذ وقع المشط من يدها فقالت : بسم الله . فقالت ابنة فرعون : الله أبي . فصاحت الماشطة بابنة فرعون : كلا ، بل الله ربي وربك ورب أبيك . فتعجبت البنت أن يُعبد غير أبيها ثم أخبرت أباها بذلك فعجب أن يوجد في قصره من يعبد غيره . فدعا بها وقال لها : من ربك ؟؟ قالت : ربي وربك الله . فأمرها بالرجوع عن دينها وحبسها وضربها فلم ترجع عن دينها ، فأمر فرعون بقدر من نحاس فمُلئت بالزيت ثم أحمي حتى غلا وأوقفها أمام القدر ، فلمّا رأت العذاب أيقنت إنما هي نفس واحده تخرج وتلقى الله تعالى . فعلم فرعون أن أحب الناس أولادها الخمسة الأيتام الذين تكدح لهم وتطعمهم ، فأراد أن يزيد في عذابها فأحضر الأطفال الخمسة تدور أعينهم لا يدرون إلى أين يُساقون .

فلمّا رأوا أمهم تعلقوا بها يبكون ، فانكبت عليهم تقبلهم وتشمهم وتبكي وأخذت أصغرهم وضمته إلى صدرها وأرضعته . فلمّا رأى فرعون هذا المنظر أمر بأكبرهم فجرّه الجنود ودفعوه إلى الزيت المغلي ، والغلام يصيح بأمه ويستغيث ويسترحم الجنود ويتوسل إلى فرعون ويحاول الفكاك والهرب ، وينادي إخوته ويضرب الجنود بيديه الصغيرتين وهم يصفعونه ويدفعونه وأمه تنظر إليه وتودعه . فما هي إلا لحظات حتى ألقي الصغير في الزيت والأم تبكي وتنظر وإخوته يغطون أعينهم بأيديهم الصغيرة ، حتى إذا ذاب لحمه على جسمه النحيل وطفحت عظامه بيضاء فوق الزيت نظر إليها فرعون وأمرها بالكفر فأبت ، فغضب فرعون وأمر بولدها الثاني فسُحب من عند أمه وهو يبكي ويستغيث ، فما هي إلا لحظات حتى ألقي في الزيت وهي تنظر إليه وتبكي حتى طفحت عظامه بيضاء واختلطت بعظام أخيه والأم ثابتة على دينها موقنة بلقاء ربها . ثم أمر فرعون بالثالث فسُحب وقرب من القدر ثم حُمل وغيب في الزيت ، وفعل به ما فعل بأخويه والأم ثابتة على دينها . فأمر فرعون أن يُطرح الرابع في الزيت فأقبل الجنود إليه وكان صغيراً قد تعلّق بثوب أمه ، فلمّا جذبه الجنود بكى وانطرح على قدمي أمه ودموعه تجري على رجليها وهي تحاول أن تحمله مع أخيه تحاول أن تودعه وتشمه ، فحالوا بينه وبينها وحملوه من يديه الصغيرتين وهو يبكي ويستغيث ويتوسل بكلمات غير مفهومة وهم لا يرحمونه .

وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي وغاب الجسد وانقطع الصوت ، وشمت أمه رائحة اللحم وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها . تنظر الأم إلى عظامه وقد رحل عنها إلى دار أخرى وهي تبكي وتتقطع لفراقه ، طالما ضمته إلى صدرها وأرضعته ، طالما سهرت لسهره وبكت لبكائه . كم ليلة بات في حجرها ولعب بشعرها ، كم قرّبت منه ألعابه وألبسته ثيابه . فجاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك ، فالتفتوا إليها وتدافعوا إليها وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها ، فلمّا انتزع منها صرخ الصغير وبكت المسكينة . فلمّا رأى الله تعالى ذلها وانكسارها وفجيعتها بولدها انطق الصبي في مهده وقال لها : يا أماه اصبري فإنك على حق .. ثم انقطع صوته عنها .

وغيب في القدر مع إخوته وذهب الأولاد الخمسة وهاهي عظامهم يلوح بها القدر ولحمهم يفور به الزيت ، تنظر المسكينة إلى هذه العظام الصغيرة عظام من ؟؟؟ إنهم أولادها الذين ملئوا عليها البيت ضحكاً وسروراً . إنهم فلذات كبدها وعصارة قلبها الذين لمّا فارقوها كأن قلبها أُخرج من صدرها ، طالما ركضوا إليها وارتموا بين يديها وضمتهم إلى صدرها ومسحت دموعهم بأصابعها ، ثم هاهم يُنتزعون من بين يديها ويُقتلون أمام ناظريها وتركوها وحيدة وتولوا عنها .

وعن قريب ستكون معهم كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين العذاب بكلمة كفر تُسمعها لفرعون ، لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى . ثم لمّا لم يبق ألا هي أقبلوا عليها كالكلاب الضارية ودفعوها إلى القدر، فلمّا حملوها ليقذفوها في الزيت نظرت إلى عظام أولادها فتذكرت اجتماعها معهم في الحياة فالتفتت إلى فرعون وقالت : لي إليك حاجة . فصاح بها وقال : ما حاجتك ؟ فقالت : أن تجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد ثم أغمضت عينيها وألقيت في القدر ، واحترق جسدها وطفحت عظامها . ( الله أكبر ) تعبت قليلاً ، لكنها استراحت كثيراً .

وفاتها
مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها .. وجاورت ربها ويُرجى أن تكون اليوم في جنات ونهر ، ومقعد صدق عند مليك مقتدر . وهي اليوم أحسن منها في الدنيا حالاً .. وأكثر نعيماً وجمالاً .

ماتت ماشطة ابنة فرعون وأبناؤها شهداء في سبيل الله ، بعدما ضربوا أروع مثال في التضحية والصبر والفداء .

المصدر
موسوعة الأسرة المسلمة