شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : معجزة يوسف عليه السلام


ريمة مطهر
05-07-2011, 08:47 PM
يوسف
الطيور المخيفة

قال تعالى : { ودخل معه السجن فتيان , قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً , وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه , نبئنا بتأويله , إنا نراك من المحسنين } .

1. في البدء كلمة
الأنبياء عباد الله , خصّهم ربّهم بمكانة عظيمة , ومنزلة رفيعة , فزيّن لهم فعل الخيرات , لأنهم كانوا من عباده المخلصين , وجعل الله لكل نبي معجزة أو معجزات لا تكون لبشر غيرهم , ومنهم يوسف عليه السلام الذي أصابه اضطهاد إخوانه وأشقائه فحاولوا التخلص منه , ولكن الله كان له خير حافظ والله أرحم الراحمين .

وقد اختص الله عز وجل يوسف بالرؤيا الصادقة التي تحدثت عن أحداث كثيرة قبل وقوعها , فكانت رؤياه وحلمه وهو نائم معجزة , وكان تفسيره للأحلام معجزة كبيرة تدل على ما اختصه ربه به من معجزات عظيمة ما زلنا نسمعها وتصيبنا بالدهشة فنسبح بحمد الله القادر على كل شيء لأنه سبحانه عز وجل ليس كمثله شيء .

ريمة مطهر
05-07-2011, 08:53 PM
2. يوسف في السجن

منذ أن خرج يوسف من البئر ومضى مع بعض الناس الذين باعوه لوزير من وزراء مصر اسمه العزيز ومنذ هذا اليوم ويوسف يعيش عيشة هانئة راضية يحبه أهل هذا البيت , فهو في دار العزيز أحد وجهاء مصر وامرأته " زليخة " بنت أخت الملك الريان بن الوليد ملك مصر.

نشأ يوسف نشأة عظيمة وأصبح شاباً جميلاً , بديع الجمال والبهاء مما جعل النساء ينظرن إلى جماله وبهائه , وكان ممن نظر إليه زليخة امرأة العزيز , وحاولت أن تجعله خائناً لسيّده العزيز ولكن يوسف نبي من سلالة الأنبياء , عصمه ربه وحماه من الفاحشة , ومن مكر النساء , فهو سيّد النجباء , والسبعة الأتقياء الذين قال عنهم الرسول محمد خاتم الأنبياء : " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله :
- إمام عادل
- ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عينينه
- ورجل قلبه معلق بالمساجد إذا خرج منه حتى يعود إليه
- ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه
- ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقته يمينه
- وشاب نشأ في عبادة الله
- ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله .

رواه البخاري في صحيحه10/36/660, ومسلم والترمذي والنسائي ومالك وأحمد .

لما كان يوسف أحد هؤلاء السبعة الذين تحدث عنهم رسول الله فقد رفض خيانة سيده العزيز , وعصى أمر زوجته " زليخة " وقال لها منكراً ما تريد : { معاذ الله إنه ربي } يقصد زوجها صاحب المنزل , ثم استكمل يوسف حديثه فقال : إنه أحسن إليّ وأكرم مقامي عنده وفي فعلي هذا الذي تدعينني له ظلم , { إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } .

حاولت امرأة العزيز أن تجعل من يوسف الطاهر الطيّب , فاحشاً خائناً ولكنها فشلت , وخرج يوسف من دارها هارباً مسرعاً , ولما عاد صاحب الدار وهو زوجها اشتكت له مرّ الشكوى ووصفت يوسف بأنه خائن فاحش , زوراً وبهتاناً , واتهمته بالباطل , ولكن الرجل لم يصدق هذا الاتهام وحقق مع يوسف , وثبتت براءته , ولكنها لم توقف كيدها ليوسف عليه السلام , وخاصة أن نساء المدينة تحدثوا عنها وعن يوسف فأصابها غيظ شديد , وخاصة أنهن نساء الأمراء والكبراء , فقد طعنوا فيها وعابوا عليها , وشنعوا بها .

علمت بمكرهن وسمعت به , فأرادت أن تثبت لهن عذرها وأنهن لو شاهدن يوسف وما عليه من جمال لفعلوا مثل ما فعلت , ففكرت في حيلة تثبت من خلالها صدق ما فعلت , كي يعذرها النسوة , لأنها متأكدة من أن ما عليه هذا النبي الكريم يجعل الفتنة في قلوب النساء , فأرسلت لهن دعوة للغداء جامعة في منزلها , وأعدّت لهن مجلساً مريحاً جميلاً , وضيافة رائعة , وأحضرت من جملة ما أحضرت من الطعام وأدواته سكاكين يقطعن بها فاكهة وطعاماً , وآتت كل واحدة منهم سكيناً , وهيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب , وكان في ريعان شبابه مليئاً بكل تقاسيم الجمال , وأمرته أن يخرج عليهن وهو بكامل زينته وجماله فخرج عليهن وهو بدر في جماله , وروعة في ثيابه وشبابه .

فلما رأته النساء وهن في مجلس زليخا أعظمنه وأجللنه , وأخذتهن الهيبة والدهشة من فرط جماله وحسنه , وجعلت النسوة يقطعن أيديهن بالسكاكين ولا يشعرن بالجراح اللاتي أصابتهن من يوسف وقد وصف القرآن الكريم هذا المشهد فجاءت الآيات تقول :
{ فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاشى له ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم } .

وقالت زليخا للنساء : { فذلكن الذي لمتنني فيه } فعذرت النساء زليخا التي مدحت يوسف ووصفته بالطهارة والعفة , ولكن يوسف لم يستمع إلى حديثهن ودعوتهن له إلى طاعة سيدته , وقد هددته زليخا بإدخاله السجن إن لم يكن لها من الطائعين , وقالت : { لئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } .

استجار يوسف بربه ودعاه دعاء خالصاً , بأن يخلصه من بين أيدي النساء , وقال في هذا الدعاء : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } . يوسف 33.

قال مناجياً ربه : يا رب إن تركتني لنفسي , فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف , ولا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله , فأنا ضعيف إلا ما قويتني وعصمتني وحفظتني بحولك وقوتك .

عند ذلك استجاب الله عز وجل لدعاء نبيه يوسف عليه السلام فقد فضل السجن على المعصية , معصية الله عز وجل , ولقد اعتبر يوسف عليه السلام أن السجن رحمة من الها عز وجل , وطريق يسلكه إلى الطاعة ويعصم نفسه بدخول السجن من المعصية .

ودخل يوسف السجن رغم ثبوت براءته عند العزيز , إلا أن العزيز وامرأته بدا لهم من الرأي أن دخول يوسف السجن ولو لوقت قصير يقلل من كلام الناس حولهم , وحكي أن يوسف عليه السلام لما دعا ربه قائلاً : { السجن أحب إليّ } أوحى الله إليه : " يا يوسف ! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحب إليّ , ولو قلت العافية أحب إليّ لعوفيت " . القرطبي ج9 الآيتان 33-34 ص 121 .

اقتاد الناس يوسف إلى السجن مظلوماً , فحمل مقيداً على ظهر حمار , وطيف به وقد قال بعضهم : " هذا جزاء من يعصي سيدته " أما يوسف فكان يقول : هذا السجن أيسر وأهون من مقطعات النيران , وسرابيل القطران , وشراب الحميم في جهنم , والأكل من شجرة الزقوم في جهنم والعياذ بالله , فلما وصل يوسف السجن وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم , واشتد بلاؤهم , فيومهم عمل شاق , ومذلة وتعذيب فقدوا من خلاله كرامتهم وعزتهم , واكتوت ظهورهم بسياط السجانين وظلمهم , واختلط فيهم المظلوم بالظالم والجاني بالبريء .

رأى يوسف حالتهم هذه , فتقدم إليهم وقال لهم : اصبروا وأبشروا تؤجروا , فقالوا له : يا فتى ! ما أحسن حديثك ! لقد بورك لنا في جوارك , من أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف ابن صفي الله وحبيبه يعقوب , ابن نبي الله إسحاق , ابن خليل الله إبراهيم عليه السلام .

أصبح يوسف في السجن وقد رأى الناس على حال يرثى لها فمنهم الحزين ومنهم المريض والجريح , فكان يعزي فيه الحزين , فلا يتركه حتى يذهب عنه الحزن والبأس , وكان يعود المريض , فيخفف عنه آلامه , ويداوي الجريح حتى يشفى من جراحه , وكان يوسف عليه السلام يصلي الليل كله قائماً خاشعاً لله عز وجل الذي أنعم عليه ونجاه من فتنة النساء .

وكان يقف بين يدي ربه باكياً حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب من شدة خشوعه وخوفه من الله عز وجل , حتى طهر به السجن , واستأنس به أهل السجن , فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف !

وقد نشأت علاقة ود شديدة وحب صادق بين يوسف وقائد السجن وصاحبه فوسّع عليه فيه , وأكمل له سبل الراحة , وقال له ذات يوم : يا يوسف ! لقد أحببتك حباً لم أحب شيئاً مثل حبك !!

قال يوسف : أعوذ بالله من حبك .

قال قائد السجن : ولم تقول ذلك يا يوسف ؟ وظن الرجل أن يوسف يرفض منه هذا الشعور الطيّب والود الخالص ولكن يوسف استدرك قائلاً : " أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه " .

يقصد أن إخوته ثارت غيرتهم عليه لما أحبه أبوه واستدرجوه إلى البئر وألقوه فيه , وقالوا لأبيهم إن يوسف أكله الذئب وتبع ذلك بيعه للعزيز بعد إخراجه من البئر .

ثم قال يوسف : وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى .

تبسّم صاحب السجن ولكن حديث يوسف عليه السلام لم ينقص الود بينهما فكانا يلتقيان دوماً ويسمران , وأصبحت شخصية يوسف دواء يشفي جراح المساجين , ويهون كروبهم وهمومهم , فإذا أصبح أهل السجن بحثوا عن يوسف ليستبشروا به , وشاوروه في آمالهم وأحلامهم , وحكّموه في خصامهم , وقبلوا حكمه بروح طيبة ونفس عالية , وأصبح السجن ليوسف ومن معه روضة جميلة , واسعة اتساع الحرية , هنيئة هناء الطاعة والعبادة , وانصرفت مشيئة الله ألا يكون سجن يوسف سجناً بل رحمة وحرية إلى الطاعة , وذلك أرحم من سجن المعصية , فالذنب الذي يرتكبه الإنسان يسجنه طوال عمره فيه أما الحرية فهي في عفة النفس اللسان واحترامها , فليست الجدران وحدها هي السجن , وإنما السجن هو سجن النفس المذنبة الذليلة .

ريمة مطهر
05-07-2011, 08:58 PM
3. صاحبي السجن

قال تعالى : { ودخل معه السجن فتيان } يوسف 36.

ظل يوسف في حبسه وسجنه راضي النفس قانعاً بقضاء الله والذي هو خير له , ولما طالت أيام السجن أصبح ليوسف صحبة وأصحاب , ومن أصحابه الذين كانوا يلازمونه فتيان أحدهما اسمه " مجلب " والآخر " نبوا " كان يوسف يودهما كما يود أصحابه في السجن ويحبهما كما يحب أهل السجن جميعاً مما زاد في التصقهما به , ودوام مجالسته والتحدث إليه في كل أمر يخطر ببالهما . لم يكن يعلم يوسف سبب سجنهما , ومع دورة الأيام والزمن علم السبب فقد كان الملك الوليد بن الريان ملك مصر طويل العمر والملك , وأمضى زمناً طويلاً في ملكه ما جعل الناس يملون ملكه فكادوا له , وبدأ الكيد من جماعة من مصر فأرادوا المكر بالملك واغتياله فدسوا إلى هذين الغلامين وأرسلوا لهما من يفاوضهما في الأمر, فقد كان " مجلب " صاحب الطعام وخباز الملك وطباخه الذي يقدم له الطعام كل يوم ويطعمه , أما " نبوا " فقد كان ساقيه يقدم له الشراب بأنواعه , ولا يأمن الوليد لغيرهما في تقديم الطعام والشراب له سواء أكان وحيداً أو مع حاشيته وضيوفه . جاءهما جماعة من مصر وعرضوا عليهما مالاً كثيراً وبساتين ومزارع جميلة إذا هما دسا السم في طعام الوليد , وضمنا لهما السلامة من أي خطر قد يتعرضان له , طالت المفاوضات , وبعدها وافق " مجلب " سريعاً وتردد " نبوا " كثيراً , وفي النهاية وافقا على طلب هؤلاء الناس وحصلا على بعض المال منهم .

جاء موعد غداء الملك في اليوم التالي , فدس مجلب السم في الطعام وعمل بما اتفق عليه مع المصريين المعارضين للملك الواليد بن الريان والراغبين في اغتياله ليخلو لهم حكم مصر , أما نبوا فقد حفظ عشرة سيده ورغب ألا يخون الأمانة , فلم يضع سماً في شراب الملك .

حمل كل منهما ما يخصه من الطعام والشراب فتقدم مجلب بمائدة طعام الملك وحمل نبوا أواني الشرب ودخل على مليكه , وامتدت يد الواليد بن الريان للطعام فصرخ نبوا قائلاً : " لا تأكل يا مولاي ففي الطعام سم وضعه مجلب " !! تراجع الملك ورفع يده فوراً عن الطعام بعد أن أمسك به , ونظر إلى مجلب في دهشة , وتنقل بصره بين مجلب ونبوا , وقال موجهاً حديثه لنبوا وقد وقف مجلب يرتعد من شدة الخوف , قال : ما تقول يا نبوا ؟!

قال نبوا : أقول يا مولاي إن الطعام الذي أمامك مسموم فقد دس مجلب السم فيه .

فقال الملك : وأنت ماذا فعلت يا بنوا ؟ أوضعت السم في الشراب ؟

فقال نبوا : حاشا لله يا مولاي , فأنت ولي نعمتي , ومليكي الذي أرتع في قصوره , وأسعد بجواره , وأكرّم نفسي من أمواله , هل يعقل أن أخون كل هذا يا مولاي ؟

فقال الملك وهو ينظر إلى مجلب نظرة قاسية : إذن .. تناول الشراب واشربه يا نبوا !!

شرب نبوا كأس الملك وأتبعه بكأس آخر , ووقف هادئاً سليماً لم يصبه شيء من الأذى لأن الشراب كان خالياً من السم وطازجاً .

اعتدل الملك في جلسته , ونادى محجب كي يقترب منه قليلاً , وقال له : كل من هذا الطعام يا مجلب .

قال مجلب وهو يرتعش وقد تصبب عرقاً : لا أستطيع أيها الملك لا أستطيع , اعفني من هذه المهمة .

صرخ الملك في مجلب قائلاً : أيها الخائن , أنت تعرف أن الطعام مسموم , أتخاف من الموت الآن , وقد أردت أن تقتلني , قل لي من وضع السم في هذا الطعام ؟

تأتأ مجلب وارتبك وقال في تردد وخوف : لا .. لا أدري .

نادى الملك جميع حراسه , وقال : اقبضوا على هؤلاء وأحضروا لي حيواناً أو دابة تأكل من هذا الطعام .

أحضر الحراس حصاناً كبير السن وجعلوه يأكل من الخبز المسموم والطعام . فجاؤوا به , ولما أكل صهل بصوت عال صهلة وسقط على الأرض ميتاً , عندئذ تأكد الملك من صدق نبوا وقبض على مجلب ومعه نبوا وأجريت معهما التحقيقات التي أدانتهما إدانة شديدة , مجلب وضع الطعام مسموماً أمام الملك ولم يحفظ الأمانة التي ائتمنه عليها الملك وهي حياته , فمن يأمن لإنسان أن يقدم له طعامه , فإنه يأمنه على حياته وعمره , ونبوا اتهم أيضاً بأنه كان على علم بالمؤامرة وتأخر في الإبلاغ عنها حتى اللحظات الأخيرة .

وسيق الإثنان إلى السجن ليقضيا عقوبة رادعة , بعد أن نجيا من حكم الإعدام , وهناك في السجن أصبحا مع يوسف عليه السلام في كل مكان يجلس فيه صباحاً ومساءاً .

وذات يوم جلس الفتيان إلى جوار يوسف وقد أهمهما أمر وشغلهما , وساد فيهم صمت لوقت قصير قطعه نبوا بقوله : ما علمك الذي تعلمه يا يوسف ؟

فقال يوسف : إني أعبّر الرؤيا وأفسرها تفسيراً كاملاً بأمر الله .

عاد الجميع إلى صمتهم الأول ونظر يوسف في وجه نبوا ومجلب فوجدهما مكروبين مهمومين , كأن بهما كرباً أو أصابتهما صائبة أو مصيبة , عندئذ بادرهما يوسف عليه السلام بقوله : ما لي أراكما مكروبين ؟ القرطبي ج 9 ص 36-38.

قالا : إنا رأينا في المنام ما كرهنا أن نراه .

قال يوسف : وما هو ؟ قصا عليّ ما رأيتما .

تردد الفتيان لحظة في الحديث ثم استهل مجلب الخباز حديثه قائلاً : أتنبئنا يا يوسف بتأويل وتفسير ما رأينا ؟

قال يوسف : نعم لقد قلت لكما أنني أسطيع أن أنبئكما به إن شاء الله تعالى .

قال مجلب على الفور : رأيت كأنني اختبزت وصنعت خبزاً في ثلاثة تنانير أو ثلاثة أفران لصناعة الخبز وجعلت الخبز في ثلاث سلال , فوضعته على رأسي فجاء الطير تأكل منه .

وقال نبوا ليوسف : رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض , فعصرتهن في ثلاث أوان , ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى , صمت يوسف قليلاً وقد اشرأبت أعناق صاحبيه ينتظران على شوق تفسير حلميهما العجيبين , ثم تغيّر لونه لما عرفه من تفسير الرؤيا , عندئذ أعاد نبوا رؤياه بصيغة أخرى فقال ليوسف : أيها العالم رأيت كأني في بستان فإذا أنا أقف تحت كرمة عنب عليه ثلاث عناقيد فجنيتها , وكان كأس الملك بيدي فعصرتها وسقيت الملك شربة . ( عرائس المجالس للثعلبي ص 108) .

نظر إليه يوسف عليه السلام , عرف أنه يستعجل التفسير , ونظر بإشفاق إلى مجلب الذي لم يشأ أن يكرر سرد رؤياه عليه مثل ما فعل نبوا .

كره يوسف عليه السلام أن يعبر ويفسر لهما ما سألاه عن الرؤيا لما علم في ذلك من المكروه الذي سيقع على أحدهما وهو مجلب , فقد كان تفسير رؤياه مشقة عليه لا يبشر بخير , لهذا السبب أعرض يوسف عليه السلام وامتنع عن تفسير الرؤيا وبدأ يتحدث في أمر آخر فيه إعراض عن الخوض في تفسير الرؤيا , وفيه دعوة لإسلام أهل السجن وهم كفار .

رتب يوسف عليه السلام أفكاره , وجعل همه الأول هو الدعوة لله عز وجل لأن ما عنده من علم هو من الله عز وجل لا يستطيع أن يدعي أو أن يقول إن ما عندي من تفسير للرؤيا هو من علمي الذي جاء من أفكاري , وليجعل في قلوب هؤلاء الأصحاب الذين يعيشون معه في السجن شيئاً من الإيمان والتقوى , تستقيم معه شروط صدق الرؤيا , فإيمان الإنسان وصدقه يجعل رؤياه صادقة , فلن تجد رؤيا صادقة لإنسان كاذب أو عاص لله عز وجل , الرؤيا الصادقة نعمة من الله , والمعصية تحرم الإنسان من هذه النعمة , فالمعاصي تزيل النعم وتقضي عليها , والطاعات تجلب الخير والبشر والسعادة للناس جميعاً , لهذ اتجه يوسف اتجاهاً مغايراً في حديثه قبل أن يفسر الرؤيا .

بيّن يوسف لصاحبي السجن أن الله خصه بعلم عظيم , ومن هذا العلم قال يوسف : { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } .

يعني لا يجيئكما غداً طعام من منزلكما إلا أخبرتكما به الآن قبل أن يأتي .

فقالا له : هذا من فعل العرّافين والكهنة .

فقال يوسف : ما أنا بكاهن , وإنما ذلك مما علمنيه ربي , إني لا أخبركما به تكهناً وتنجيماً, بل هو بوحي من الله عز وجل . تفسير القرطبي ج9 ص 127.

وبيّن لهم يوسف عليه السلام دينه ومذهبه , وقال لهما : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت دين وملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب وكلهم أنبياء مؤمنون موحدون لله عز وجل وما ينبغي لي ولا لآبائي أن نشرك بالله من شيء , وهذا الإيمان فضل من الله علينا أن عصمنا من الشرّ كله , وزيّن لنا فعل الخيرات للناس , ومن فضل الله علينا أن جعلنا أنبياء صالحين , وفضله سبحانه عز وجل على الناس وهم عباده الصالحين , ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على ما أتاهم من نعمة وفضل تحيط بهم ولا يشعرون بها .

استمع الفتيان لحديث يوسف عليه السلام وقد تشوّقا لتأويل الرؤيا , ولكن يوسف لم ينه دعوته ورسالته لهما بعد بل مضى يقول : { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } بأي صفة تحبون أن يكون لكم رب تعبدونه ؟ أتحبون أن تعبدوا آلهة متفرقة في العدد والسن ؟ إنها أصنام تلك التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع , أهذه الأصنام خير لكم أم الله الواحد القهار الذي قهر كل شيء , إن الآلهة المتفرقة تتفرّق في الإرادة , ولو كانوا كذلك لعلا إله على إله , ولتصارعت كل واحدة مع الأخرى .

إن ما تعبدونه من أصنام يا صاحبي السجن من دون الله عز وجل ليست من الأوهية في شيء , وما هي إلا أسماء سميتموها أنتم , لأنها جماد لا يتكلم ولا يعقل .

تحدث يوسف عن الإيمان والعقيدة والربوبية والطاعة فهذه رسالته في الدنيا شأنه شأن أي نبي , يدعو الناس لعبادة الله الواحد القهار , ويدعوهم للتوحيد والطاعة , والإيمان بأن الربوبية لله , ولا يعبد الناس إلا الله من خلال هذا الدين القيّم .

ريمة مطهر
05-07-2011, 09:01 PM
4. تفسير الرؤيا

قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام : { يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمراً , وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه , قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } . يوسف 41.

بعد أن دعاهما دعوة الإيمان , وبيّن لهما فطنته ودرايته , وميز لهما بين تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر , وبين الله الواحد القهار الذي لا إله سواه ولا شريك له في الملك , وهو على كل شيء قدير . بعد كل هذا بدأ يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا فقال موجهاً حديثه للساقي : إنك ترد إلى عملك الذي كنت فيه وهو سقاية الملك بعد ثلاثة أيام .

وقال للآخر : أما أنت فتدعى بعد ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك .

نظر مجلب ونبوا في يوسف وتفحصا بعضهما بعضا من المفاجأة .

وارتعد نبوا خوفاً وقال : والله ما رأيت شيئاً وإن هذه الرؤيا كذبنا بها عليك لنعرف مدى فراستك في تفسير الأحلام .

وقال الثاني : ما رأينا شيئاً إنما كنا نلعب ونجرّب عملك هذا .

فقال يوسف عليه السلام في حزم شديد : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } .

أي انتهى الأمر ولا جدال مرّة أخرى .

وقال يوسف في سلام لنبوا وهو الساقي الذي ظن أنه سينجو من الموت ويعود إلى حالته الأولى مع الملك الوليد بن الريان , فيدخل قصره ويكون ساقيه مرة أخرى , قال له يوسف : { اذكرني عند ربك } أي تحدث عني عند سيدك , واذكر له ما رأيته من حالي , وما أنا عليه من تفسير الرؤيا , وأخبره أني محبوس بلا ذنب , وقد كان لهذا الطلب من يوسف عتاب شديد إذ استعان وهو في محنته ببشر ولم يستعن بالله عز وجل . وقد ذكر العلماء أن يوسف ظل في السجن بضع سنين وجاء ذلك في الآية الكريمة : { فلبث في السجن بضع سنين } .

وذكر المفسرون أن جبريل عليه السلام , دخل على يوسف عليه السلام في السجن , فعرفه يوسف , فقال جبريل : يا أخا المنذرين ! ما لي أراك من الخاطئين ؟! وقال جبريل أيضاً : يا طاهر ابن الطاهرين ! يقرئك السلام رب العالمين ويقول : أما استحييت إذ استغثت بالآدميين ؟! وعزتي وجلالي! لألبثنك في السجن بضع سنين .

فقال يوسف : يا جبريل أهو عني راض ؟

قال جبريل : نعم !

فقال يوسف : لا أبالي الساعة . تفسير القرطبي الجزء التاسع ص 128.

وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك , وطوّل سجنه , وقال له : يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك ؟!

قال : الله تعالى .
فقال له : من أخرجك من البئر ؟
قال يوسف : الله تعالى .
قال جبريل : فمن عصمك من الفاحشة ؟
قال يوسف : الله تعالى .
قال جبريل : يا يوسف فمن صرف عنك كيد النساء ؟
قال يوسف : الله تعالى .
فقال جبريل : فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله ؟!. تفسير القرطبي ج9 ص 129.
قال يوسف : " يا رب كلمة زلت مني" .

وجعل يوسف عليه السلام يتوسل إلى ربه ويدعوه ويقول : أسألك يا إله إبراهيم وإسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني .

فقال له جبريل : فإن عقوبتك يا يوسف أن تظل في السجن بضع سنين .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام : " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال : { واذكرني عند ربك } ما لبث في السجن بضع سنين " .

لهذا ظل يوسف في السجن سبع سنين , وكان يمكن أن يخرج قبل هذا لولا كلمته للساقي بأن يذكره عند الملك , ليعلم ما وقع عليه من ظلم , وما أوتي من علم في تفسير الرؤيا وتعبيرها تعبيراً صحيحاً بفضل الله وإرادته عز وجل .

ظل يوسف ينتظر الفرج , فرج الله عز وجل كي يخرج من السجن بعد هذه التجربة الكبيرة , وقد كان السجن له في البداية رحمة وتفضيلاً فضله يوسف على كيد النساء عندما اختار قائلاً : { رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه } .

ريمة مطهر
05-07-2011, 09:03 PM
5. رؤيا الملك وخروج يوسف من السجن

انصرفت مشيئة الله أن يخرج يوسف من السجن , ودنا فرج الله على يوسف , فقد رأى الملك الوليد بن ريان رؤياه التي تسببت في خروج يوسف من السجن , فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشره بالفرج , وأن إرادة الله قد انصرفت كي يخرج من السجن .

وقال جبريل : إن الله مخرجك من سجنك , وممكن لك في الأرض , يذل لك ملوكها , ويطيعك جبابرتها , ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك وذلك بسبب رؤيا رآها الملك .

والرؤيا تقول أن الملك الأكبر الريان بن الوليد رأى في نومه كأنه خرج من نهر يابس سبع بقرات سمان , كبيرات الحجم , يكاد اللحم يسقط من جوانب كل واحدة من كثرة السمنة , وهذه البقرات السبع تطاردهن سبع عجاف هزيلات ضعيفات لا يظهر منهن سوى الهيكل العظمي , وظلت تطاردهن حتى أمسكت كل بقرة من البقرات الضعاف الهزيلات ببقرة من السمان في آذانها وأكلتها فلم تبق منها إلا القرنين , ورأى الملك سبع سنبلات قمح خضراء قد أقبل عليهن سبع سنبلات يابسات فأكلتهن حتى أتين عليهن فلم يبق منهن شيء وهن يابسات , وكذلك البقرات السبع كن عجافاً ضعافاً هزيلات حتى بعد أن أكلن البقرات السمان .

استيقظ الملك الريان من نومه فزعاً خائفاً فقد هالته الرؤيا وأخافته , فكيف يرى الإنسان بقرة ضعيفة هزيلة تأكل بقرة سمينة ضخمة مكتنزة باللحم , ترك الملك فراشه على الفور وارتدى ملابسه مسرعاً وغادر غرفة نومه إلى ديوانه ومجلسه , حتى رآه وزراؤه على هذه الحالة وحاشيته , ولما أخذ مجلسه نظر إلى الحضور في قلق وبدأ يقصّ رؤياه على الحاضرين فقال :
{ إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات , يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } . يوسف 43.

كان مجلسه جامعاً , فقد أرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والعرّافة والكهانة والنجامة والسحرة , وأشراف قومه . فلما توجه إليهم بالأمر وطلب أن يفسروا رؤياه وقال : { يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون } .

أجابوا جميعاً إجابة واحدة قالوا فيها إنها مجرد أحلام خاطئة وهي أشياء مختلطة عليك أيها الملك وأنت نائم , وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين , أي لا نعرف تفسير الأحلام لأنها مجرّد أشياء وأحداث مختلطة يتخيلها النائم في نومه .

قطع كل هذه الأصوات صوت نبوا ساقي الملك الذي خرج من السجن منذ فترة وجيزة وقال في صوت واثق حازم بعد أن تذكر حاجة يوسف التي نسيها سنوات عديدة عندما قال له يوسف : { أذكرني عند ربك } أي عند ملكك .

قال : أنا أنبئكم بتأويل هذه الرؤيا وتفسيرها , وأعرف من يفسرها لك أيها الملك بدقة . فوافق الملك على طلب الساقي .

فقال الساقي : أرسلني إلى السجن بعيداً عن المدينة , فبعثوه فأتى بيوسف فقال له : أيها الصديق الصادق في تفسير وتأويل الرؤيا أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف , وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون .

فقال يوسف عليه السلام : تزرعون سبع سنين , فالسبع بقرات سبع سنين تزرعون فيهن فيأتي المحصول عالياً , وتكون هذه السنوات السبع الأولى سنوات خير , وعليكم بترك ما يزيد عن حاجتكم في سنبله حتى لا يفسد عند تخزينه فترة زمنية طويلة , لأن السبع سنوات التالية لها ستكون شديدة لا زرع ولا محصول فيها . فتأكلون ما تم تخزينه من السبع الأولى , فإذا حبستم بذور القمح في سنابلها ستجدونه سليماً , تصنعون منه طعامكم ولا تحدث بينكم مجاعة أو هلاك . وأضاف يوسف لرؤيا الملك شيئاً من عنده يدل على ما أتاه الله من علم للغيب يتجاوز حتى رؤيا الملك التي فسرها تفسيراً صادقاً تؤكده الأيام والسنون .

أضاف يوسف قائلاً : { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } .

يغاث فيه الناس بالمطر والخير الكثير الوافر حتى أنهم في هذا العام يعصرون العنب خمراً والسمسم دهناً , والزيتون زيتاً , وتحلب الألبان لكثرتها في ضروع الماشية , ويدل ذلك على كثرة النبات وعلى كثرة ووفرة الغيث , ونجاة الناس مما كانوا فيه من حاجة .

وبهذا العام الذي أضافه يوسف عليه السلام لرؤيا الملك الذي تحدث فيه عن سبع وسبع أي أربعة عشر عاماً أضاف يوسف عليه السلام عامه إظهاراً لفضله , وإعلاماً لمكانته العلمية وبمعرفته لعلم الغيب الذي خصه به ربه كما خص عيسى بن مريم أيضاً .

عاد الساقي إلى الملك الريان , وقص عليه تأويل يوسف لرؤياه والسنة التي أضافها لرؤياه مما يدل على صدق ما فسر يوسف وأنه واقع بأمر الله لا محالة من ذلك . مما جعل الملك يشعر بمكانة هذا الرجل الصالح والنبي الطاهر يوسف الصديق عليه السلام .

ريمة مطهر
05-07-2011, 09:07 PM
6. خروج من السجن وبراءة عظيمة

عرف الملك أن الذي قاله يوسف لا بد وأنه واقع لا محالة , فقال لساقيه نبوا وحرسه وأصحاب السجن القائمين عليه : { ائتوني به } اذهبوا وأحضروه فوراً .

خرج نبوا مسرعاً من المدينة قاصداً السجن وقد عرف أنه تأخر على يوسف ولم يذكره إلا بعد بضع سنين . ولما وصل السجن دخل إلى يوسف مهللاً فرحاً سعيداً بخروجه من السجن ولكن يوسف عليه السلام فاجأ صاحبه وقال : لن أذهب معك الآن واشترط لخروجه شرطاً من الساقي أن يبلغ للملك , فقال يوسف : { ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } . يوسف 50.

رفض يوسف عليه السلام الخروج حتى تصح براءته عند الملك مما قذف به واتهم به , ودخل من أجله السجن وهو بريء منه .

رفض يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن بعطف الملك , ويرميه الناس بعدها ويقولون : ذا الذي رواد امرأة مولاه . فأراد يوسف أن يبين براءته , ويحقق منزلته ومكانته من العفة والطهارة والخير .

فلهذا قال لنبوا ساقي الملك : إرجع إلى الملك وقل له واسأله : { ما بال النسوة التي قطعن أيديهن , إن ربي بكيدهن عليم } .

فرجع رسول الملك نبوا من عند يوسف حاملاً رسالته هذه , فلما سمع الملك كلام يوسف , دعا النسوة اللاتي قطعن أيديهن ومعهن امرأة العزيز , وقال لهن : ما شأنكن , وذلك أن كل واحدة منكن كلمت يوسف في حق نفسها , فأجبن جميعاً إجابة واحدة وقلن : حاشا لله ما علمنا على يوسف من سوء فهو شاب طاهر عفيف النفس حسن الخلق .

ونهضت امرأة العزيز من وسط النسوة وقالت : { الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه } وإن يوسف صادق ولم يكذب , فلما سمع يوسف هذا الكلام وهذه البراءة من امرأة العزيز قال : ليعلم سيدي العزيز أني لم أخنه بالغيب كما قيل عني واتهمني الناس .

فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وبراءته , عرف أمانته وكفايته وديانته وعلمه وعقله , وقال : { ائتوني به أستخلصه لنفسي } فلما جاء نبوا الساقي ورسول الملك إلى يوسف قال له : أجب الملك الآن .

خرج يوسف من السجن ودعا لأهل السجن بدعاء مشهور قال فيه : " اللهم عطّف قلوب الأخيار , ولا تعم عنهم الأخبار " فهم أعلم الناس بالأخبار إلى اليوم في كل بلدة .

ولما خرج من السجن كتب على بابه : " هذا قبر الأحياء , وبيت الأحزان , وتجربة الأصدقاء , وشماتة الأعداء " العرائس للثعلبي ص 111.

ثم اغتسل يوسف وتنظف وتطهر من درن السجن , ولبس ثياباً جديدة رائعة , وقصد إلى قصر الملك الريان , فلما وقف بباب الملك قال : حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جاهه وجل ثناؤه ولا إله غيره .

فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره وأعوذ بك من شره وشر غيره .

فلما نظر إليه الملك سلم عليه يوسف بالعربية , فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟ وما هذه اللغة ؟

قال يوسف : لسان عمي إسماعيل , ثم دعا له بالعبرانية .

فقال له الملك : ما هذا اللسان ؟

قال يوسف : هذا لسان أبي يعقوب .

أعجب الملك بفصاحة يوسف ولغاته كما أعجب بأخلاقه وعفته وكان يوسف قد بلغ الثلاثين عاماً , وأجلسه إلى جواره وقال : إني أحب أن أسمع رؤياي منك مشافهة .

فقال يوسف : نعم أيها الملك - " لقد رأيت سبع بقرات سمان شهب حسان غير عجاف كشف لك عنهن نهر النيل , فطلعن عليك من شاطئه , ينزل اللبن من ضروعهن , فبينما أنت كذلك تنظر إليهن وقد أعجبك حسنهن إذ نضب النيل , وغار ماؤه , وأصبح قليلاً , وظهر قاعه , فخرج من طينه ووحله , سبع بقرات عجاف بطونهن لا تظهر , ليس لهن ضروع من شدة الضعف , ولهن أنياب وأسنان مخيفة , وأضراس وأكف كأكف الكلاب , وخراطيم كخراطيم السباع , فاختلطن بالبقرات السمان وهجمن عليهن وافترسهن افتراس السباع , وأكلن لحمهن , ومزقن جلودهن وحطمن عظامهن , فبينما أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهن وهن مهازيل ضعاف ثم لم يظهر فيهن سمنة مما أكلن إذا بسبع سنبلات خضر وسبع أخر سود يابسات في منبت واحد جذورهن في التراب والماء , وبينما تقول في نفسك ما هذا ؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات في المنبت واحد وأصولهن في الماء إذ هبت فردت أوراق السنبلات السود اليابسات على الخضر المثمرات فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن وصرن سواداً متغيرات فهذا آخر ما رأيت من الرؤيا , ثم انتبهت مذعوراً " العرائس للثعلبي 111-112 .

فقال له الملك : فما ترى في رؤياي أيها الصديق ؟

فقال يوسف : أرى أيها الملك أن تجمع الطعام وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين الخصبة وتبني الأهرام والخزائن وتجعل القمح فيها بسنبله وقصبه ليكون أبقى ولا يفسد وقصبة القمح تصبح علفاً للدواب . وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمر فيكفيك ما جمعته من طعام لأهل مصر ومن حولها . ثم يأتيك الناس من كل مكان ليأخذوا مما كنزت لهم من هذا الطعام , فيجتمع عندك من الكنوز ما لا يجتمع لأحد من قبلك .

تبسّم الريّان ونظر ليوسف نظرة إكبار وإجلال وقال له : ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه لي ويكفيني الشغل فيه ؟

فقال يوسف : { إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } أي أعلم بسني المجاعة وكاتب حاسب لهذا كله .

فقال الملك : ومن أحق منك ؟ وولاه خزائن الأرض وقال له : { إنك اليوم لدينا مكين أمين } .

وهلك العزيز الذي كان على هذه الخزائن قبل يوسف , وزوّج الملك يوسف بامرأة العزيز , وأنجب منها رجلين هما أفراثيم بن يوسف , ومنشا بن يوسف , القرطبي ج 9 ص 140, وأصبح يوسف من يومها مكيناً أميناً , بعد أن خصه الله بمعجزات كثيرة لا تحص ولا تعد , ولعل أشهرها تأويله للرؤيا , رؤيا صاحبي السجن ورؤيا الملك الوليد .

المرجع
معجزات الأنبياء - عبد المنعم الهاشمي