شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : الأسرة النبوية


ريمة مطهر
05-01-2011, 11:34 PM
الأسرة النبوية

تعرف أسرته صلى الله عليه وسلم بالأسرة الهاشمية ـ نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف ـ وإذن فلنذكر شيئًا من أحوال هاشم ومن بعده ‏:‏

1 ـ هاشم ‏
قد أسلفنا أن هاشمًا هو الذي تولى السقاية والرفادة من بني عبد مناف حين تصالح بنو عبد مناف وبنو عبد الدار على اقتسام المناصب فيما بينهما ، وكان هاشم موسرًا ذا شرف كبير ، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة ، وكان اسمه عمرو فما سمي هاشمًا إلا لهشمه الخبز ، وهو أول من سن الرحلتين لقريش ، رحلة الشتاء والصيف ، وفيه يقول الشاعر ‏:‏

عمرو الذي هَشَمَ الثريدَ لقومه ** قَــومٍ بمكة مُسِْنتِيــن عِجَافِ
سُنَّتْ إليه الرحلتان كلاهـمــا ** سَفَرُ الشتاء ورحلة الأصياف

ومن حديثه أنه خرج إلى الشام تاجرًا ، فلما قدم المدينة تزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدى بن النجار وأقام عندها ، ثم خرج إلى الشام ـ وهي عند أهلها قد حملت بعبد المطلب ـ فمات هاشم بغزة من أرض فلسطين ، وولدت امرأته سلمى عبد المطلب سنة 497 م ، وسمته شيبة ؛ لشيبة كانت في رأسه ، وجعلت تربيه في بيت أبيها في يثرب ، ولم يشعر به أحد من أسرتـه بمكـة ، وكان لهاشم أربعة بنين وهم‏ :‏ أسد وأبو صيفي ونضلة وعبد المطلب‏ .‏ وخمس بنات وهن ‏:‏ الشفاء ، وخالدة ، وضعيفة ، ورقية ، وجنة ‏.‏

ريمة مطهر
05-01-2011, 11:38 PM
2 ـ عبـد المطلب ‏

قد علمنا مما سبق أن السقاية والرفادة بعد هاشم صارت إلى أخيه المطلب بن عبد مناف ‏( وكان شريفًا مطاعًا ذا فضل في قومه ، كانت قريش تسميه الفياض لسخائه )‏ لما صار شيبة ـ عبد المطلب ـ وصيفًا أو فوق ذلك ابن سبع سنين أو ثماني سنين سمع به المطلب‏ .‏ فرحل في طلبه ، فلما رآه فاضت عيناه ، وضمه ، وأردفه على راحلته فامتنع حتى تأذن له أمه ، فسألها المطلب أن ترسله معه ، فامتنعت ، فقال ‏:‏ إنما يمضى إلى ملك أبيه وإلى حرم الله فأذنت له ، فقدم به مكة مردفه على بعيره ، فقال الناس ‏:‏ هذا عبد المطلب ، فقال ‏:‏ ويحكم ، إنما هو ابن أخي هاشم ، فأقام عنده حتى ترعرع ، ثم إن المطلب هلك بردمان من أرض اليمن ، فولى بعده عبد المطلب ، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم ، وشرف في قومه شرفًا لم يبلغه أحد من آبائه ، وأحبه قومه وعظم خطره فيهم ‏.‏

ولما مات المطلب وثب نوفل على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها ، فسأل رجالًا من قريش النصرة على عمه ، فقالوا ‏:‏ لا ندخل بينك وبين عمك ، فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتًا يستنجدهم ، فسار خاله أبو سعد بن عدى في ثمانين راكبًا ، حتى نزل بالأبطح من مكة ، فتلقاه عبد المطلب ، فقال ‏:‏ المنزل يا خال ، فقال ‏:‏ لا والله حتى ألقى نوفلًا ، ثم أقبل فوقف على نوفل ، وهو جالس في الحجر مع مشايخ قريش ، فسل أبو سعد سيفه وقال‏ :‏ ورب البيت ، لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف ، فقال‏:‏ رددتها عليه ، فأشهد عليه مشايخ قريش ، ثم نزل على عبد المطلب ، فأقام عنده ثلاثًا ، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ‏.‏ فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ‏.‏ ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا‏ :‏ نحن ولدناه كما ولدتموه ، فنحن أحق بنصره ـ وذلك أن أم عبد مناف منهم ـ فدخلوا دار الندوة وحالفوا بني هاشم على بني عبد شمس ونوفل ، وهذا الحلف هو الذي صار سببًا لفتح مكة ‏.‏

ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان ‏:‏ حفر بئر زمزم ووقعة الفيل .

وخلاصة الأول ‏:‏ أنه أمر في المنام بحفر زمزم ووصف له موضعها ، فقام يحفر ، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجأوا إلى الجلاء ، أي السيوف والدروع والغزالين من الذهب ، فضرب الأسياف بابًا للكعبة ، وضرب في الباب الغزالين صفائح من ذهب ، وأقام سقاية زمزم للحجاج ‏.‏

ولما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب ، وقالوا له ‏:‏ أشركنا ‏. ‏قال ‏:‏ ما أنا بفاعل ، هذا أمر خصصت به ، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد هُذَيْم ، وكانت بأشراف الشام ، فلما كانوا في الطريق ، ونفد الماء سقى الله عبد المطلب مطرًا ، ولم ينزل عليهم قطرة ، فعرفوا تخصيص عبد المطلب بزمزم ورجعـوا ، وحينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه الله عشرة أبناء ، وبلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة ‏.‏

وخلاصة الثاني ‏:‏ أن أبرهة بن الصباح الحبشي ، النائب العام عن النجاشي على اليمن ، لما رأى العرب يحجون الكعبة بني كنيسة كبيرة بصنعاء ، وأراد أن يصرف حج العرب إليها ، وسمع بذلك رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلًا فلطخ قبلتها بالعذرة‏ .‏ ولما علم أبرهة بذلك ثار غيظه ، وسار بجيش عرمرم ـ عدده ستون ألف جندى ـ إلى الكعبة ليهدمها ، واختار لنفسه فيلاً من أكبر الفيلة ، وكان في الجيش 9 فيلة أو 13 فيلاً ، وواصل سيره حتى بلغ المُغَمَّس ، وهناك عبأ جيشه وهيأ فيله ، وتهيأ لدخول مكة ، فلما كان في وادي مُحَسِّر بين المزدلفة ومنى برك الفيل ، ولم يقم ليقدم إلى الكعبة ، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول ، وإذا صرفوه إلى الكعبة برك ، فبيناهم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل ، ترميهم بحجارة من سجيل ، فجعلهم كعصف مأكول ‏.‏ وكانت الطير أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر ثلاثة أحجار ؛ حجر في منقاره ، وحجران في رجليه أمثال الحمص ، لا تصيب منهم أحدًا إلا صارت تتقطع أعضاؤه وهلك ، وليس كلهم أصابت ، وخرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض ، فتساقطوا بكل طريق وهلكوا على كل منهل ، وأما أبرهة فبعث الله عليه داء تساقطت بسببه أنامله ، ولم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل الفرخ ، وانصدع صدره عن قلبه ثم هلك ‏.‏

وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب ، وتحرزوا في رءوس الجبال خوفًا على أنفسهم من معرة الجيش ، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين‏ .‏

وكانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين يومًا أو بخمسة وخمسين يومًا ـ عند الأكثر ـ وهو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة 571 م ، وكانت تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته ؛ لأنّا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء الله استولوا على هذه القبلة مرتين بينما كان أهلها مسلمين ، كما وقع لبُخْتُنَصَّر سنة 587 ق‏.‏م ، والرومان سنة 70 م ، ولكن لم يتم استيلاء نصارى الحبشة على الكعبة وهم المسلمون إذ ذاك ، وأهل الكعبة كانوا مشركين‏ .‏

وقد وقعت هذه الوقعة في الظروف التي يبلغ نبؤها إلى معظم المعمورة المتحضرة إذ ذاك ‏.‏ فالحبشة كانت لها صلة قوية بالرومان ، والفرس لا يزالون لهم بالمرصاد ، يترقبون ما نزل بالرومان وحلفائهم ؛ ولذلك سرعان ما جاءت الفرس إلى اليمن بعد هذه الوقعة ، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الوقت ‏.‏ فهذه الوقعة لفتت أنظار العالم ودلته على شرف بيت الله ، وأنه هو الذي اصطفاه الله للتقديس ، فإذن لو قام أحد من أهله بدعوى النبوة كان ذلك هو عين ما تقتضيه هذه الوقعة ، وكان تفسيرًا للحكمة الخفية التي كانت في نصرة الله للمشركين ضد أهل الإيمان بطريق يفوق عالم الأسباب ‏.‏

وكان لعبد المطلب عشرة بنين ، وهم ‏:‏ الحارث ، والزبير ، وأبو طالب ، وعبد الله ، وحمزة ، وأبو لهب ، والغَيْدَاق ، والمُقَوِّم ، وضِرَار ، والعباس ‏.‏ وقيل ‏:‏ كانوا أحد عشر ، فزادوا ولدًا اسمه ‏:‏ قُثَم ، وقيل ‏:‏ كانوا ثلاثة عشر ، فزادوا‏ :‏ عبد الكعبة وحَجْلًا ، وقيل ‏:‏ إن عبد الكعبة هو المقوم ، وحجلاً هو الغيداق ، ولم يكن من أولاده رجل اسمه قثم ، وأما البنات فست وهن ‏:‏ أم الحكيم ـ وهي البيضاء ـ وبَرَّة ، وعاتكة ، وصفية ، وأرْوَى ، وأميمة‏ .‏

ريمة مطهر
05-01-2011, 11:41 PM
3ـ عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏

أمـه فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يَقَظَة بـن مـرة ، وكـان عبد الله أحسن أولاد عبد المطلب وأعفهم وأحبهم إليه ، وهو الذبيح ؛ وذلك أن عبد المطلب لمـا تم أبناؤه عشرة ، وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه ، فقيل ‏:‏ إنه أقـرع بينهم أيهم ينـحـر ‏؟‏ فطـارت القرعــة على عـبد الله ، وكــان أحـب النـاس إليه ‏. ‏فقال ‏: ‏اللهم هو أو مائة من الإبل ‏. ‏ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المائة من الإبل ، وقيل ‏:‏ إنه كتب أسماءهم في القداح ، وأعطاها قيم هبل ، فضرب القداح فخرج القدح على عبد الله ، فأخذه عبد المطلب ، وأخذ الشفرة ، ثم أقبل به إلى الكعبة ليذبحه ، فمنعته قريش ، ولاسيما أخواله من بني مخزوم وأخوه أبو طالب ‏.‏ فقال عبد المطلب ‏:‏ فكيف أصنع بنذري ‏؟‏ فأشاروا عليه أن يأتي عرافة فيستأمرها ، فأتاها ، فأمرت أن يضرب القداح على عبد الله وعلى عشر من الإبل ، فإن خرجت على عبد الله يزيد عشرًا من الإبل حتى يرضى ربه ، فإن خرجت على الإبل نحرها ، فرجع وأقرع بين عبد الله وبين عشر من الإبل ، فوقعت القرعة على عبد الله ، فلم يزل يزيد من الإبل عشرًا عشرًا ولا تقع القرعة إلا عليه إلى أن بلغت الإبل مائة فوقعت القرعة عليها ، فنحرت ثم تركت ، لا يرد عنها إنسان ولا سبع ، وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرًا من الإبل ، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل ، وأقرها الإسلام ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏:‏ " ‏أنا ابن الذبيحين "‏ يعنى إسماعيل ، وأباه عبد الله‏ .‏

واختار عبد المطلب لولده عبد الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، وهي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعًا ، وأبوها سيد بني زهرة نسبًا وشرفًا ، فزوجه بها ، فبني بها عبد الله في مكة ، وبعد قليل أرسله عبد المطلب إلى المدينة يمتار لهم تمرًا ، فمات بها ، وقيل ‏:‏ بل خرج تاجرًا إلى الشام ، فأقبل في عير قريش ، فنزل بالمدينة وهو مريض فتوفي بها ، ودفن في دار النابغة الجعدي ، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة ، وكانت وفاته قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبه يقول أكثر المؤرخين ، وقيل ‏:‏ بل توفي بعد مولده بشهرين أو أكثر ‏.‏ ولما بلغ نعيه إلى مكة رثته آمنة بأروع المراثى ، قالت ‏:‏

عَفَا جانبُ البطحاءِ من ابن هاشم ** وجاور لَحْدًا خارجـًا في الغَـمَاغِـــم
دَعَتْـه المنــايا دعــوة فأجـابـــهـا ** وما تركتْ في الناس مثل ابن هاشـم
عشيـة راحـوا يحملــون سريـره ** تَعَاوَرَهُ أصـحـابــه في التزاحــــم
فإن تـك غـالتـه المنـايا ورَيْبَهـــا ** فقـد كـان مِعْطــاءً كـثير التراحم

وجميع ما خلفه عبد الله خمسة أجمال ، وقطعة غنم ، وجارية حبشية اسمها بركة وكنيتها أم أيمن ، وهي حاضنـة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏

المرجع
الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري ، بتصرف