شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : وادي سدير وماوان


ثروت كتبي
01-29-2011, 01:04 PM
وادي سدير وماوان





منذ سنين طويلة وأنا أعبر وادي سدير في رحلتي السنوية إلى بلدة الزلفي، وكانت أولها عندما كان الخط المزفلت ينتهي ببلدة العطار، وكنت أظن أن وادي سدير يشمل امتداداً طويلاً، ولكن تبدل مفهومي عندما ذهبت مع صديقي الدكتور عبدالعزيز بن لعبون إلى بلدة التويم بدعوة من الأستاذ علي المهيدب لحضور معرض مخطوطات في حوطة سدير افتتحه معالي رئيس مجلس الشورى، وبعد الافتتاح والضيافة، أخذني الدكتور بن لعبون إلى قمة جبل من عليها شاهدنا وادي سدير وقراه وبلداته التي يحتضن فتبين أنه ذو امتداد مشابه لبقية الأودية ذات المستوطنات مثل وادي الدواسر ووادي ماوان ووادي الخرج.

وعندما تسير في وادي سدير كأنك تسير في وادي ماوان، والاثنان يشبهان وادي حنيفة من حيث العمق ومن حيث تناثر المستوطنات. ولكن على العكس نجد أن المستوطنات في أودية فحول مثل وادي الشوكي ووادي الطيري ووادي الطوقي تنعدم علماً أن كمية المياه التي تنقلها تلك الأودية قد تفوق ما تنقله الأودية ذات المستوطنات. فعلى سبيل المثال يفرغ وادي الشوكي شحنته من المياه في روضة التنهات، فلماذا لم تصبح روضة التنهات مستوطنة أو أرض قامت عليها مستوطنات؟ مثل بلدة الدلم في مفيض وادي ماوان أو بلدة الحتي على ضفاف وادي حنيفة وغيرها من الحواضر التي لا تزال قائمة في بطن الوادي مثل الدرعية. ولماذا لم تقم مستوطنات في روضة خريم علماً أنها تستقبل مياه عدة أودية من أشهرها وادي الغيلانية ووادي الطوقي وعدد من الأودية التي تتعلق سيلها من ظهر هضبة العرمة.
إنها أسئلة تحتاج إلى إجابات، وفي الإجابات سوف نعرف الأسباب التي لا بد أن تجتمع للمكان لكي يصبح مستوطناً، واجتماع الأسباب مسألة أزلية لا تتغير لأنها تقوم على مزايا طبيعية وليست اصطناعية أو مكتسبة. وأقصد بذلك أن الماء لا يكفي لإقامة حضارة مستقلة في مكان ما، والمرعى أيضاً لا يكفي لاستقبال قوم يقيمون ويمتهنون رعي الماشية والمتاجرة بها، والتربة الجيدة لا تكفي، والموقع الاستراتيجي لا يكفي أيضاً، وعليه يمكن القول إن عدة أسباب لا بد أن توجد مجتمعة لكي تساعد على قيام المستوطنات في مكان ما.
وهناك أودية جميلة عديدة تنعدم فيها المستوطنات منها وادي الجافي ذلك الوادي الذي يبدأ من الشمال ثم ينحرف إلى الجنوب الشرقي ثم إلى الشرق حتى يصب في روضة تقوم في حضن الدهناء. ففي يوم من الأيام كنت في طريقي إلى الدمام والرياض فلاحظت وجود هذا الوادي الذي بدأ من الخط المزفلت جميلاً فقررت أن أسير عبره. وذات مرة سرت في هذا الوادي مع زميلي الدكتور عبدالعزيز بن لعبون فوجدناه مرة يضيق ومرة يتسع وتكسوه الأشجار التي قضت الكسارات على الكثير منها. وبالرغم من امتداد الوادي الطويل لم أر أي بقايا لمستوطنات ما عدا بعض المنشآة المعمارية الحجرية التي تتناثر على ظهور الجبال المحاذية لحافتي الوادي، ومن مستواها المعماري المتواضع تبين أنها لمجموعات من الناس غير مستقرة ربما رعاة أو أنصاف رعاة أو مستقرون استقراراً غير دائم وبأعداد محدودة.
ومن معاينتنا لعدد من الأودية في منطقة الرياض وقراها ومستوطناتها نجد أنه لا بد أن يتوفر للمكان عوامل أربعة لكي يصبح هدفاً للمستقر، وهذه العوامل هي:
1 - المياه الصالحة لشرب الإنسان.
2 - المياه الصالحة لشرب الحيوان وسقيا النبات.


3 - الأرض الخصبة الصحية القادرة على احتضان النباتات المعمرة والموسمية والحولية، والتنوعات النباتية مثل الخضروات والفواكه والحبوب والنخيل، والأشجار التي يستفاد منها في تشييد المنازل كالأثل والسلم، والأعلاف أيضاً التي يلجأ إليها المستقر عندما تيبس الأعشاب وتطويها الرياح، عندئذ يلجأ المستقر إلى هذه الأعلاف ليستفيد منها في سبيل المحافظة على ثروته الحيوانية من النفوق. أما بالنسبة للموقع الاستراتيجي فهو بغاية الأهمية أيضاً لأنه يوفر للمستقر الاتصال بمن حوله وبالتالي يؤدي إلى تبادل المنتوجات الزراعية والحيوانية مع السكان المجاورين ثم السكان الأبعد، ويوفر للمكان المجموعات البشرية اللازمة للتعمير، ويجعله ملتقاً لأمم راحلة من مكان إلى آخر فيستقر البعض منها ويزاحم السكان الأصليين. وعليه نجد أن الأودية في المملكة العربية السعودية ذات طبائع مختلفة، فمنها الأودية الحاضنة للمستوطنات، ومنها الأودية الناقلة للمياه والمساعدة على إيجاد المراعي، ومنها الأودية ذات النفع القليل، ولذا أظن أننا بحاجة إلى دراسة أنماط الأودية في وسط الجزيرة العربية وأصناف القرى والبلدات والمدن التي قامت فيها.





المصدر
جريدة الرياض