شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : العلم الإغريقي


جمانة كتبي
04-07-2011, 01:06 AM
العلم الإغريقي



انتقلت معارف الحضارات القديمة – المصرية والبابلية والهندية وغيرها – إلى الإغريق الذين وضعوا لها النظريات ، والفروض ، فصاغوها صياغة يونانية جديدة بادئين بذلك عصراً جديداً زاهياً من عصور العلم .

ويرى بعض مؤرخي العلم أن عصر العلم الإغريقي بدأ منذ القرن السابع قبل الميلاد ، وبرز من علمائه علماء من أمثال : طاليس ، وفيثاغورس ، وديمقرايطس ، وابقراط ، وأفلاطون ، وأرسطو ، وغيرهم ممَن ألفوا في الهندسة ، والطب والفلك ، والرياضيات والنبات ، والحيوان والمعادن ، وكان من حسن حظ هؤلاء العلماء أن ظلت مؤلفاتهم مقروءة بلغاتهم الأصلية فضلاً عن ترجمتها إلى اللغات الحديثة .

على أن العلم الإغريقي لم يظهر فجاءةً أو من فراغ ، ولا شك أنه مدين للحضارات التي سبقت الحضارة الإغريقية من فرعونية ، وآشورية ، وبابلية ، خاصة وأننا نعرف أن أغلب علماء الإغريق كانوا يقضون شطراً من حياتهم على ضفاف النيل ، أو دجلة والفرات فضلاً عن الصلات التجارية ، والسياسية والعسكرية التي كانت بين كل تلك الحضارات ، وتبادل الخبرات والمعارف الناتج عن تلك الصلات .

والواقع أن معظم مؤرخي العلم يُجمعون على أن العلم الإغريقي هو البداية الحقيقة للتقدم العلمي بالمعنى الصحيح ، وأن كل ما سبقه عند المصريين القدماء والآشوريين والبابليين ، إنما هو خبرات ومهارات مارسها فئة من الكهان والسحرة ، مما جعل العلم في تلك الأيام يتسم بصفة الكهانة والسحر .

وقد استغرق تاريخ العلم الإغريقي قرابة التسعمائة عام ، وأنه في تطوره بمراحل ثلاث يمتد كل منها حوالي الثلاثمائة عام تقريباً ، فامتدت مرحلته الأولى – هي المرحلة الأكثر أصالة وإبداعاً ما بين عام 600 ق.م وحتى موت أرسطو عام 322 ق.م .

وتنحصر المرحلة الثانية بين تأسيس الاسكندرية ، غزو الرومان للشرق قرابة بداية العهد المسيحي بينما المرحلة الثالثة والأخيرة تمثل القرون الثلاثة الأولى من عهد الإمبراطورية الرومانية ، وقد تميزت هذه الفترات الثلاثة بنهضة علمية فلسفية واضحة ، وبظهور المذاهب الفلسفية الكبرى خاصةً مذهبي أفلاطون وأرسطو ، كما شهد القرن السادس قبل الميلاد ظهور ابقراط الملقب بأبي الطب ، وظهور فيثاغورس أبو الرياضيات .

وقد ابتعد الفلاسفة الإغريق في هذه الفترة عن تفسير العالم تفسيراً "ميثولوجياً" أسطورياً ونظروا للموجودات نظرة واقعية ، محاولين تفسيرها بطريقة علمية ، أو كانت هذه خطوة أولى وكبيرة في سبيل وضع (العلم) على أسس حديثة ومعلومة .

وقد شهد هذا العصر الإغريقي ازدهاراً كبيراً في علوم الرياضيات والفلك ، وهو أفضل ما أنتجه الإغريق في هذا الصدد وخير مثال على ما نقول هو العالم الرياضي المعروف " فيثاغورس" الذي عاش ما بين عامي 572 ، 497 ق.م في جزيرة "ساموس" من جزر اليونان ، وكذلك أفلاطون وأرسطو ، اللذان كانا من أشهر علماء الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد ، وكان أفلاطون يرى أن دراسة الرياضيات – وخاصة الهندسة – هي مفتاح الدراسات الأخرى ، وأن العقلية الرياضية قادرة على تفهم العلوم الأخرى – وكذلك كان لأفلاطون أثر واضع على علوم الفلك – وكان أول مَن ربطها بالعلوم الرياضيات ويرى البعض أنه أول مَن فصل بين العلم والفلسفة ، وحدد منهج البحث في كل منهما .

وقد ارتبط اسم أفلاطون بالأكاديمية التي أنشأها في أثينا ، وعُرفت باسم أكاديمية أفلاطون ، ولعلها كانت أول جمعية علمية بالمعنى الصحيح ، إذ كانت تبحث فيها الرياضيات ، والعلوم الطبيعية ، والسياسية ، وقد عاشت هذه الجمعية زهاء التسعمائة عام ، وفيها تتلمذا أرسطو على أستاذه أفلاطون ومن أعظم الأعمال التي قامت بها الأكاديمية استخدام التحاليل كطريقة للبرهان، ودراسة علم الأحجام الذي أهمله الإغريق قبل ذلك, ولذا سميت المجسمات المنتظمة بالأشكال الأفلاطونية ، ولم يهتم أفلاطون بغير الرياضيات الصرفة ، والفلسفة لأنهما يعالجان أموراً عقلية .

والذي نود أن نقرره هو أن الحضارة الإغريقية ورثت الحضارات المصرية ، والبابلية ، والآشورية وكان الإغريق قوماً مفكرين ، فلسفوا العلم ، وصاغوا له النظريات والفروض ، ومن حسن حظ العلم الإغريقي أن مؤلفات علمائه بقيت محفوظة حتى الآن ، فقد بقيت اللغة اللاتينية هي لغة العلوم على مدى قرون وأجيال ، في حين اندثرت لغات أخرى كان لأهلها أكبر الفضل على العلم .. كما يرى مؤرخو العلم أن عصر الإغريق كان مرحلة الانطلاق ، فلا تزال أسماء علمائهم تملأ الآذان دالة على فضلهم على العلم والحضارة الإنسانية ، فالعلماء المسلمون مثلاً يعترفون لأرسطو بالفضل ، ولقبوه بـ ( المعلم الأول ) للإنسانية عرفاناً بفضله ، ويقال أن المعارف التي أضافها أرسطو للعلم ، هي أعظيم إضافة قدمها فرد واحد .
وقد بلغ أرسطو ( 384 – 322 ق.م ) منزلة علمية لم يبلغها أحد ، ومؤلفاته في الفلسفة ، والأخلاق ، أو السياسية أشهر من أن يشار إليها ، وكان منهجه يقوم على ضرورة الدقة في جميع الحقائق ، ثم القيام بتحليلها بغرض استنباط القاعدة ، أو النظرية التي تدل عليها هذه الحقائق ، ولا تزال كتاباته ، وملاحظاته باقية رغم مرور أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً عليها ، فقد كان عالماً موسوعياً تعرض لجميع فروع المعرفة ، لم يترك فناً إلى طرقة ، ولا مذهباً من مذاهب الفلسفة والأخلاق إلا عالجه ، ولا نظاماً اجتماعياً إلا تناوله بالنقد والتحليل ، فله مؤلفاته في الطبيعة ، وعلم النفس ، والأخلاق ، والسياسة ، والحيوان ، وعلوم الحياة خاصة ، وكان منهجه هو عدم التسليم بالبيانات التي ترد إليه من غيره دون أن يمحصها هو شخصياً ، ولذلك أعماله للزمن ، وبقيت آراؤه مرجعاً يستقي منه الدارسون حتى اليوم .

ونخلص من كل ذلك إلى القول بأن العلم الإغريقي بدأ بطاليس في القرن السابع قبل الميلاد ، ثم فيثارغورس في القرن السادس قبل الميلاد ، ثم ظهر ابقراط ، وسقراط ، وأرسطو في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد ، ثم جاء اقليدس في القرن الثالث قبل الميلاد ، وهو يمثل مرحلة متأخرة نسبياً في الحضارة الإغريقية ، وهي المرحلة المسماة بالإغريقية الإسكندرية التي امتدت زهاء الثلاثة قرون ، ازدهر فيها العلم أيما ازدهار .



المصدر كتاب : العلوم والفنون في الحضارة الإسلامية / د. تاج السر أحمد حران





(http://www.tran33m.com/vb/t61366.html)