شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : قبة الصخرة في المسجد الأقصى المبارك


ريمة مطهر
03-12-2011, 08:58 PM
القباب في المسجد الأقصى المبارك
قبة الصخرة

الموقع

في قلب المسجد الأقصى المبارك .

تاريخ الإنشاء

27هـ ( 692م ) .

الوظيفة والتخطيط العام

قبة الصخرة هي أقدم بناء إسلامي في منطقة الشام وهي أيضاً النموذج الوحيد من نوعه وليس فقط في منطقة الشام بل في تاريخ العمارة بأسره .

فهو من ناحية المبنى الذي أنشئ تكريماً وتخليداً للصخرة والفرق كبير بين الكعبة التي تضم في ركن من أركانها الحجر الأسود وبين القبة التي فوق الصخرة في المسجد الأقصى المبارك ، فالصخرة هنا هي تلك التي يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أسري إليها وعرج منها إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج وهي عبارة عن قمة صخرية بارزة في أعلى جبل موريا وسطح هذا الجبل هو المسجد الأقصى المبارك الذي يضم الجامع القبلي وقبة الصخرة ومشاهد إسلامية أخرى .

حين تولى الخلافة عبد الملك بن مروان قرر أن ينشئ القبة فوق الصخرة تخليداً لذكرى الإسراء والمعراج وقد تم الانتهاء من تشيد قبة الصخرة وزخرفتها خلال ثلاث سنوات ( 96-27هـ /986 -692م ) ولما كان ابتداء العمل في عمارتها معاصراًً لثورة مصعب وأخيه عبد الله بن الزبير في مكة فقد ذكرت بعض المصادر التاريخية ( أصلها رواية للمؤرخ اليعقوبي وهو مؤرخ متعصب ضد الأمويين ) أن الخليفة الأموي عبد الملك ابن مروان أراد بالقبة أن تكون بديلاً للكعبة المشرفة يزورها الناس عوضاً عن الذهاب إلى الحج في مكة الواقعة تحت سيطرة ابن الزبير ولا جدال في أن مثل هذه المزاعم تفتقد إلى المنطق ذلك أن عبد الملك بن مروان هو خليفة مسلم موضعه في العلم والإسلام معروف لا يمكن أن يدور بخلده أن الحج يمكن إن يكون صحيحاً في أي موضوع آخر غير البيت الحرام كما إن ثورة ابن الزبير لم تكن تشكل خطراً ماحقاً يهدد بانفصال الأراضي المقدسة عن جسد الدولة الأموية المترامية الأطراف حتى يفكر عبد الملك في إنشاء بديل للكعبة ولذا نجد الخليفة الأموي بعد القضاء على ثورة مصعب في عام 27هـ - ثم عبد الله بن الزبير- رضي الله عنهما في العام التالي يأمر بتجديد الحرم المكي وإعادته كما كان . وجاء التخطيط المعماري لقبة الصخرة المشرفة جاء على هيئة مثمن خارجي به أربعة مداخل محورية وعلى امتداد محورها الرئيس يقع الجامع القبلي .

أما من داخل البناء فثمة مثمن يوازي الجدران الخارجية ولكنه مؤلف من ثماني دعائم في أركانه الثمانية وبين كل دعامتين يوجد عمودان من الرخام وبذا يشتمل كل ضلع للمثمن الداخلي على ثلاثة عقود محمولة على الدعامات والأعمدة وبعد ذلك توجد منطقة وسطى دائرية تتألف من أربع دعائم بين كل اثنتين منها وتحمل الدعائم الأربعة عقوداًَ يبلغ عددها ستة عشر عقداً وهذه العقود تحمل بدورها رقبة القبة التي يبلغ قطرها 20.14 متراً .

وقد زينت القبة من الداخل بأكبر مجموعة من الزخارف الفسيفسائية في العمارة الإسلامية وهذه الزخارف تخلوا من رسوم الكائنات الحية وتقتصر على وحدات وعناصر نباتية وهندسية وأشكال حلي وتيجان في مناطق تحدها إطارات وهي تبدو في مجملها شديدة التألق بألوانها البراقة التي تزداد سطوعاً بسبب وجود مكعبات زجاجية ذهبية اللون وكذا صفائح معدنية مذهبة .

قد آثار التصميم المعماري الناضج لهذه القبة وكذلك زخارفها الفسيفسائية البديعة جدلاً شديداً فيما بين علماء الآثار والفنون فقد ابتعد الأوربيون منهم إلى حد نسبة البناء برمته إلى تقاليد العمارة البيزنطية بل وإلى فنانين زعموا أنهم استقدموا من بيزنطة في حين نسبوا نصف العناصر الزخرفية إلى تقاليد الفن الساساني في بلاد الفرس .

والحقيقة أن تقاليد العمارة البيزنطية كانت معروفة تماماً لأهل الشام الذين دخلوا في الإسلام أفواجاً منذ بدايات الفتح الإسلامي لهذه المناطق وليس ما هو أدل على ذلك من أن الذين عملوا في بناء القبة كانوا من عرب الشام الداخلين في الإسلام ومن أن التخطيط الثماني لقبة الصخرة لا يطابق أي تخطيط آخر في النماذج المعرفة للعمائر البيزنطية في منطقة الشام أو غيرها من الممتلكات البيزنطية .

وإنما هو محض تحوير واقتباس من عمائر شتى ليتفق هذا المخطط مع الغرض الذي شيد من أجله البناء وهو أن يحيط بالصخرة المقدسة ولذا فقد روعي فيه أن يوفر غرض تعين تلك البقعة المقدسة ثم غرض الطواف حولها للتبرك بها .

وقد سجل أحد الأوربيين بريشته أول رسم معروف لداخل قبة الصخرة في عام 1891، ولوحته التي تعد من الوثائق التاريخية توضح بجلاء موضع الصخرة المشرفة أسفل دائرة البقعة وشكل هذه البقعة المقدسة عند كل مسلم وقد وقف بعض المسلمين لأداء الصلاة عند الصخرة ومن المعروف أنه يوجد في المغارة الواقعة في قلب الصخرة محراب غير مجوف ينسب إلى عبد الملك بن مروان ومحراب آخر فاطمي .

وتظهر في هذه اللوحة مظلة من القماش لحماية الصخرة ، وقد برع هذا الفنان الذي تخفى ولا شك في زي حاج مسلم حتى يتسنى له الدخول إلى القبة في نقل الزخارف الفسيفسائية البديعة التي تزدان بها القبة من الداخل وإنه خانته ذاكرته البصرية عندما نسي أن يرسم الكتابات التذكارية الفسيفسائية التي سجلها عبد الملك بن مروان بأعلى العقود .

وهي كتابات يبلغ طولها حوالي 240متراً تشتمل على آيات من القرآن الكريم وعبارات دينية وبينها نص تسجيلي عن الإنشاء جاء فيه " بنى هذه القبة عبد الله المأمون أمير المؤمنين في سنة اثنين وسبعين " .

ويلاحظ هنا أن اسم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قد استبدل به اسم الخليفة العباسي المأمون وقد حدث ذلك عندما ضرب زلزال قوي القبة في مطلع القرن الثالث الهجري ( 9م ) وأدى إلى تهدم بعض أجزائها فأجرى المأمون التجديدات اللازمة وسجل اسمه عوضاً عن اسم المشيد الأصلي بدون أن ينتبه إلى ضرورة تغير التاريخ الذي يتماشى مع فترة حكم عبد الملك بن مروان ولعل ذلك النص التسجيلي من بين أهم محاولات التزوير المعدودة في الآثار الإسلامية .

ومن المؤسف أن هذه القمة الصخرية التي تضم المسجد الأقصى المبارك قد تعرضت في مناسبات مختلفة لزلال مدمر أولها كان في عام 130هـ ( 748م ) ثم تلت ذلك هزات أرضية عنيفة في أعوام 424هـ ( 1033 م ) وفي بداية القرن الثالث الهجري ( 14م ) .

ونتيجة لهذا الزلازل انهارت القبة الأصلية وكانت من الخشب وتغطيها صفائح من الرصاص وفوقها ألواح من النحاس المصقول وذلك طبقاً للأوصاف التي أوردها المقدسي في كتابه " أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم " قبل إن تندثر هذه القبة في عام 407هـ ( 1016م ) أما القبة الحالية فهي من إنشاء الفاطميين وتعود إلى عام 413هـ ( 1022 م ) وقد شيدت على نمط القبة الخشبية القديمة وهيكلها ومن الجدير بالملاحظة أن تعرض قمة جبل موريا لأخطار الزلازل قد دفع المعماريين المسلمين إلى عمل روابط خشبية تصل فيما بين أرجل العقود لزيادة تماسكها .

أما الجدران الخارجية لبناء قبة الصخرة فهي مؤزرة كلها بالرخام إلى ارتفاع النوافذ ثم غطيت المسافة الباقية بعد ذلك بالفسيفساء ذات البريق الزجاجي وبلاطات القاشاني التركي وبلاطات القاشاني تلك ترجع إلى الفترة التي أجريت خلالها أعمال إصلاح القبة وذلك في حوالي عام 962هـ - ( 1554م ) / وتبقى قبة الصخرة رمزاً واختزالاً بليغاً لحقيقة عروبة القدس حيث تتسامى في عنان السماء لتطل في زهو وكبرياء من علا وهي تسخر من كل مؤتمرات الصهيونية لاستلاب القدس وأرض فلسطين .

المصدر
مؤسسة القدس الدولية