شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : مظاهر الحياة في المدينة المنورة من خلال رحلة بوركهارت


جمانة كتبي
03-04-2011, 08:49 PM
مظاهر الحياة في المدينة المنورة

من خلال رحلة بوركهارت




ولد دوهان لويس بوركهارات في مدينة لوزان بسويسرا عام 1784م . ثم رحل إلى ألمانيا ودرس بجامعاتها ، ثم سافر إلى إنجلترا حيث التقى بالسيد جوزيف بانكس عضو الجمعية الإفريقية المخصصة لإرسال بعثات إلى النيجر ، فتعاقدت الجمعية معه ليعمل لحسابها .
بعد أن أكمل بوركهارت استعداداته للرحلة ، سافر إلى مالطة ومنها إلى حلب حيث عاش فيها مدة سنتين بشخصية شيخ مسلم شامي يدعى الشيخ عبد الله . وفي شباط سنة 1812م توجه بوركهارت إلى مصر ومنها انطلق مع إحدى القوافل إلى غرب أفريقيا . لكنه فوجئ أن القافلة التي سيرافقها لن تغادر قبل حزيران فقرر التوجه إلى شبه الجزيرة العربية . ضمن قافلة حج مؤلفة من الحجاج النوبيين والسودانييين .
مكث بوركهارت في الحجاز مدة أحد عشر شهراً من ( 15 حزيران 1814 إلى 25 أيار 1815م ) قضى الشهور الثلاثة الأخيرة في المدينة المنورة ، غادر بعدها إلى القاهرة وهناك انشغل بمراجعة مذكراته ومشاهدته التي دونها خلال رحلاته ، تمهيداً لإرسالها إلى الجمعية الإفريقية . وبنفس الوقت كان يستعد لرحلته الرئيسية التي جاء من أجلها إلى بلاد النيجر ، لكنه أصيب بالطاعون ، فتوفي على إثره في القاهرة في تشرين الأول من عام 1817م .
دوّن بوركهارات مذكراته ومشاهداته في بلاد العرب في أربعة مجلدات . وقد بين معالم المدينة المنورة من خلال الخريطة التي أعدها لذلك الغرض ، فوصل السور الذي بناه السلطان سليمان ، والسور الخارجي للمدينة مفصول تماماً عن جسم المدينة المنورة القديمة بساحة واسعة تعرف بمناخة .. فالمدنية المنورة تتكون من ثلاثة أقسام هي ما يلي :
المنطقة الواقعة بين الشارعين الرئيسيين – البلاط وشارع السوق الكبير – وتشمل المنطقة أحياء : الساحة ، البلاط ، سقيفة شيخي ، زقاق الطوال ، زقاق الذرة ، وزقاق البقر .
المنطقة الواقعة شمال شارع البلاط ، الممتدة من المسجد الحرام إلى باب الجمعة . وتشمل أحياء : الحماطة ، منها زقاق الحبس ، زقاق البدور ، حارة الميضاة ، حارة الشرشورة ، وحارة الأغوات .
المنطقة الممتدة من باب الجمعة على طول الأجزاء الشمالية للمدينة وحتى الباب المصري وشارع السوق الكبير .
أما مساجد المدينة فقد جاءت معلوماته عنها منقولة عن بعض تواريخ المدينة المنورة وخاصة السمهودي . لكنه أسهب في الحديث عن المسجد النبوي من حيث موقعه ومساحته ، وطُراز بنائه ، وزخرفته ، وأبوابه .
ولم يُغفل بوركهارت الحديث عن بعض المرافق المهمة في المدينة مثل : توفير مياه الشرب من خلال قناة سطحية قادمة من قباء جنوب المدينة المنورة . كما أقيم خزان مغطى بالحجارة على مستوى القناة من أجل توفير المياه لأحياء منطقة المناخة . وفي فصل الشتاء كانت المدينة تتزود بالمياه من سيل بطحان .
ومن ناحية أخرى ؛ فإن المدينة المنورة عانت من بعض المشكلات الصحية كتلوث ماء الشرب وارتفاع نسبة ملوحته ، علاوة على وجود المستنقعات التي أحاطت بالمدينة وتكونت بفعل الأمطار ، وزاد الطين بلة نقص المرافق الصحية ، فنجم عن كل ذلك زيادة نسبة الوفيات ، ففي كل عام كانت المدينة تفقد ما يزيد على 1200 نسمة . وهذا الرقم كبير جداً إذا علمنا عدد سكان المدينة المنورة لم يتجاوز عشرين ألفاً ، ولم يكن يعوض هذا النقص إلى ذلك العدد من الوافدين إليها .
كما يحدثنا بوركهارت في رحلته عن مجتمع المدينة المنورة وهو يتكون من بقايا الأوس والخزرج . والأشراف من نسل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب . وبقايا الأسرة العباسية (الخليفة) ، والنخاولة ، والبدو ، والهكارية (الزنوج) ، بالإضافة إلى الوافدين .
وأثنى بوركهارت على علماء المدينة إذ تفوقوا على أقرانهم المكيين في علوم الشريعة . وهؤلاء العلماء تلقوا تعليمهم في مدارس مصر والشام . واعتمدت المدينة في دخلها على المخصصات المالية التي كانت تأتيها من الدولة العثمانية (الصرة) ، كما استفاد أهل المدينة من موسم الحج ومن عوائد الأوقاف المخصصة للمسجد النبوي . ويرى بوركهارت أن مثل هذه الهِبات كان لها آثار سلبية على السكان ، إذ دفعت معظمهم إلى الاعتماد عليها ، بدلاً من ممارسة العمل .
فغالبية الحرفيين كانوا من الوافدين ، فلا يوجد في المدينة إلا منجد واحد ، وصانع أقفال واحد ، ولا يصنع بها حتى الجرار البسيطة . وقد عانى السكان من نقص الحرفيين لأن معظم المهن التي كان يمارسها الحجاج سرعان ما تختفي بمغادرتهم البلاد ، مما يضطر أهل المدينة المنورة إلى الاستعانة بالحرفيين من مدينة ينبع .
واعتمدت أسواق المدينة على البدو المجاورين لها في تزويدها بالسلع المحلية . مثل الأغنام ومنتجاتها ، وكان يتم ذلك التبادل التجاري بواسطة المقايضة كالقمح والملابس . أما في تجارتها الخارجية فاعتمدت على أسواق مصر بشكل خاص ، إذ كانت تصل إليها البضائع عبر ميناء ينبع .
ومن أشهر محاصيلها الزراعية القمح والشعير بالإضافة إلى زراعة النخيل ، لكن هذا الإنتاج لم يكن يكفيها إلا لمدة أربعة أشهر فقط ، ولسد احتياجاتها باقي العام كانت تستورد تموينها من مصر .
كما يحدثنا بوركهارت عن الوظائف الإدارية في المدينة المنورة فيقسمها إلى وظائف عسكرية ، وأعلاها الآغا وهو بمثابة القائد العسكري للمدينة ، يتم تعيينه من قبل السلطان العثماني . ثم وظائف تتعلق بخدمة المسجد النبوي الشريف . وعلى رأسها شيخ الحرم " آغا الحرم " . يتبعه ما يقرب من خمسين من الأغوات ، يقومون بحراسة المسجد وغسله وإضاءة مصابيحه . ومن الوظائف الأخرى التي يذكرها بوركهارت القاضي ، والمحتسب .
والجدير بالذكر أن بوركهارت يذكر بعض الأفكار والآراء بمبادئ الإسلام وقواعد الحياة الاجتماعية الإسلامية . ومن هذه الآراء : النظرة للمرأة في بلاد المسلمين .
كما أن بوركهارت لم يستوعب العادات العربية ، ففسّر الكرم على أنه تصنع ، ففي القصة التي رواها عن أحد مشايخ المدينة المنورة والذي زاره وقدم له التمر وأظهر احترامه له .. يقول : "وبعد أن وضعت دولاراً – عندما هممت بالانصراف – تحت السجادة التي كنت أجلس عليها ... اصطحبني إلى بوابة البستان ورجاني أن أكرر الزيارة". فهو يفسر إلحاح الشيخ على تكرار الزيارة طمعاً بالمال !
وخلاصة القول فرغم التحفظات التي يبديها البعض على ما جاء في رحلة بوركهارت إلا أنها تعدُّ من المصادر الأساسية في تدوين تاريخ الجزيرة العربية في العصر الحديث ، إذ انفرد ببعض المعلومات التي قد لا نجدها عند غيره ممَن كتبوا عن تلك المرحلة .


مجلة الحج والعمرة :



السنة الرابعة والستون – العدد الثامن – شعبان 1430هـ