شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : الوارجلاني ورحلته لأداء الحج


جمانة كتبي
01-24-2011, 10:36 PM
نظم رحلته لأداء الحج شعراً في قصيدة عدد أبياتها بعدد أيام السنة



الوارجلاني .. حينما يُعبد طريق الحج بالشعر





بيت الله الحرام قبلة المسلمين ، يحجون إليه مرة كل عام من مختلف بقاع الأرض ، لا يمنعهم عنه حر ولا قر ، ولا قلة زاد أو رفيق ، فمتى ما تهيأت لأحدهم بعض الأسباب التي تخول له الرحيل إلا وانطلق لأداء الشعيرة الخامسة في الإسلام . ولكن لما كانت الأقطار متباعدة خاصة بين الشمال الإفريقي أو بالأحرى المغرب الإسلامي وأرض الحجاز ، فإن الناس في القديم كانوا يجتمعون في قوافل كبيرة ، ليحمي بعضهم بعضاً ، ويتعاونوا على وعثاء الرحلة الطويلة والشاقة ، يخاطرون فيها بحياتهم وأموالهم ، بقطعهم آلاف الأميال خلال الفيافي الخالية والجبال الوعرة التي يحتمي بها قطاع الطرق والصعاليك ...


~ * ~


صاحب الرحلة :


لق قيّض الله لنا بعض الأعلام الذين أرخوا لرحلاته من المغرب الإسلامي إلى أرض الحجاز ذهاباً وإياباً ، ومن هؤلاء الأعلام البارزين الذين ساروا إلى الحج في زمانهم ووضعوا قصائد حجازية في ذلك نجد الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السّدراتي الوارجلاني أحد أشرف علماء الإباضية بالمغرب ، وهو كما وصفه الدّرجيني صاحب الطبقات قائلاً : " هو بحر العلم المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر ، الرفيع القدر والهمة ، الجامع لفضائل كل أمة ، المحتوي على علوم ججمة " ويعد طبقات المشايخ بالمغرب أقدم مصدر تحدث عن الشيخ أبي يعقوب وعن رحلته الحجازية إذ جعله الدرجيني ضمن الطبقة الثانية عشرة ( 500 – 600هـ / 1155 – 1203م ) اعتباراً لسنة وفاته ويرجح كون ميلاده سنة 500هـ / 1106م بسدراته من وارجلان – 800كم جنوب العاصمة الجزائر – حيث نشأ هناك وأخذ مبادئ علومه الأولى على الشيخ أبو سليمان أيوب بن إسماعيل ( ت: 524هـ / 1129م ) . وقد رثاه في قصيدة بائية ( عدد أبياتها ثمانون ) ( 80 ) بعد وفاته إكراماً لفضله عليه .
" لقد كان له في كل جو متنفس ، ومن كل نار مقتبس ، فله يد في علم القرآن ، وفي علم اللسان والحديث والأخيار وفي رواية السير والآثار وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية عباداتها والأحكام وعلم فرائض المواريث ولم يخلُ من اطلاع على علوم الأقدمين بل حصل مع ملازمة السنة قطعة من علم الحكماء النجمين ..." .


~ * ~


آثاره العلمية :

ترك الشيخ أبو يعقوب آثاراً مهمة ، لا زال الموجود منها يتناوله الدارسون يقتبسون من نورها ، ومنها ما ضاع مع حوادث الزمان فلم يُحفظ لسوء الحظ ، ومن مؤلفاته :
1- " تفسير القرآن الكريم " : تذكر المصادر أنه يقع في سبعين جزءاً ، ورأى البرّادي منه تفسير سورتي البقرة وآل عمران .
2- " الدليل والبرهان لأهل العقول " : ومعظمه في أصول الدين وعلم الكلام ، ولو أنه في الأصل يعد موسوعة مصغرة لمختلف الفنون من كلام وتاريخ وفلسفة ومنطق ورياضيات وعلوم وأخبار .. يقع في ثلاثة أجزاء وقد طبع أكثر من مرة .
3- " العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف " : وهو من أشهر مؤلفاته ويقع هو الآخر في ثلاثة أجزاء .
4- " مرج البحرين " : في علم المنطق وهو في آخر كتاب " الدليل والبرهان " .
5- " ترتيب مسند الربيع بن حبيب " : وهو معتمد الإباضية في الحديث ، وقد طبع عدة مرات .
6- " فتوح المغرب في تاريخ بلاد المغرب " : وهو مفقود ، ذكريات بعض المصادر أن هناك أجزاءً منه موجودة في بعض خزائن ألمانيا ، لقد ترك آثاراً علمية أخرى عديدة مخطوطة لم نذكرها هنا جميعها ، ومنها ما ضاع بسبب عوادي الزمن .



~ * ~


رحلاته :

لم تمنع هذا العالم الجليل قسا و ة الطبيعة في وار جلا ن من المضي قدما للاستزادة من معين البد ا ن البعيد ’ فقد كان شغوفا بالعلم ، شد الرحال إلى السودان , وذلك من أجل التجارة ,ولما عاد منه كان قد عزم على عقد حلة إلى الحجاز لأداء مناسك الحج ’ ولعلي أشير إلى أن الأخبار التي أوردها الدر جيني في طبقاته قد تداولها بعده كل من تلكم عن الشيخ أبي يعقوب في كتاب أو جواب ، فنفس الأحداث والأخبار يوردها أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشمخي ( ت : 928هـ) في كتابه السيرة ، وعبد الله بن حميد ا لسا لمي في :الجامع الصحيح , والشيخ علي يحيى معمر في : الإباضية في موكب التاريخ , والأستاذ عبد الرحمن الجيلالي في تاريخ الجزائر العام ... ليبقى كتاب طبقات المشايخ بالمغرب للشيخ أبو يعبا س أحمد بن سعيد الدر جيني ( ت:670 ) ، أقد مصدر على الإطلاق تحدث وفصل في تاريخ الشيخ أبي يعقوب وفي رحلاته ومؤلفاته . وقد توفي الشيخ أبو يعقوب كما هو مشهور سنة 570هـ / 1175م بمسقط رأسه بمدينة سدراته بوارجلان رحمه الله .


~ * ~


رحلته الحجازية :


تذكر بعض الروايات أن الوارجلاني عندما عزم على المسير إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، كان قد عزم بعد ذلك على رؤية " جار الله الز مخشري " صاحب " تفسير الكشاف , وهو ممن اشتغلوا بعلم الكلام , وأنه لما الزمخشري , فأوقع ذلك في نفسه حسرة كبيرة ’ فأنهى مناسك الحج وأقفل راجعا لبلاده , وقد كانت وفاة الزمخشري سنة 538هـ ، وبالتالي فإن صحت هذه الروايات فإن رحلة الوارجلاني قد كانت من دون شك في تلك السنة وبعدها .
وقد نظم الشيخ أبو يعقوب الوارجلاني رحلته شعراً في قصيدة حجازية تقع في 374 بيتاً ، من بحر الطويل ، هي غاية ما تكون في الرقة والجمال ، وجزالة اللفظ ودقة المعاني ، فصح فيها بذلك قول الدُّرحيني ".. ولعمر الله إن فيها لفوائد كثيرة ".



~ * ~


فوائد رحلة الوارجلاني :


يقول الدرّجيني في طبقاته متحدثاً عن حجازية الوارجلاني : ".. ومما يدلك على سعة ما عنده من هذه الفنون قصيدته الحجازية المتطاولة ، فإنه أودعها فصولاً على ما ذكرته من ذلك أبياتها عدد أيام العام ، بدأ فيها بغزل رقيق ، ثم الرحلة عن وارجلان ، والتنبيه عن من صحبهم في ذلك الركب وذلك الطريق منزلةً منزلة في سيرهم حتى وصلوا ، وذكر المناسك ، ثم فعل كذلك حتى خرج ، ثم خرج إلى شيء من علم الحدثان ، ثم وعظ أحسن وعظ وتذكير ، ففيها ما يشهد له باتساع الفن .." .
من هنا فإن القارئ لرحلة الوارجلاني تستوقفه أشياء عديدة وملاحظات كثيرة ، منها : غزارة المادة العلمية والأدبية بما لا يمكنه أن يعتبرها رحلة عادية كسائر رحلات الاستكشاف عند المغاربة ، لأن صاحبها عالم مجرِّب قد شرّق في الأرض وغرّب ، بالإضافة إلى ما تحمله من فوائد متنوعة ، لاسيما ما جاء فيها من الملاحظات الجغرافية والتاريخية والدينية والثقافية ، ناهيك عن مادتها الأدبية الغزيرة .
إن لكل رحلة مهما صغرت فوائدها المتنوعة ، ولعل الفائدة التاريخية هي التي أطلعنا عليه الشيخ من خلالها على امتداد بعض القبائل البربرية والعربية وانتهاء أصولها ، فحين كانت الجغرافية من خلال ما اطلعنا عليه الوارحلاني من المواضع والأماكن التي تمتد بين وارجلان ومصر والحجاز عبر الفيافي والقفار ، حتى إن منها ما قد أغفله أصحاب المعاجم ولم يذكروه في مؤلفاتهم .
أما الفائدة الاجتماعية فقد أطلعنا الرحالة على طبائع الأقوام والجماعات في كل منزلة من منازل الطريق تقريباً ، كأهالي جِرمة وفزّان وقصر زلة ومصر .. وما كان من طرائف مع طاقم السفينة وفي مكة مع طالبي المكوس ، وعن المواطن التي يقطنها الصعاليك وقطاع الطرق ، في حين كانت الفائدة الدينية ، تتمثل في تفصيل الوارجلاني في مناسك الحج من الإحرام إلى الطواف والسعي انتهاء بالنحر بعد النزول من عرفات ...
لقد أبدع في الأغراض الأدبية عموماً وفي غرضي الفخر والمدح ، فذكَرنا بقصائد المتنبي وأبي تمام ، دون أن نغفل عن رقة شعره في شكوى الزمان والحال .
وقد أنهى قصيدته بشعر حكمي ووعظي بليغ ومؤثر ، مختوم بالدعاء ، فكانت بحق كثيرة الفوائد كما وصفها بذلك الدرحيني ، وهذه بعض المقاطع المتفرقة من القصيدة الحجازية للوارجلاني :




خَرَجْنَا نَؤُمُّ الشَّؤْقَ مِنْ حِيزِ وَارجلان

بِفِتْيَانِ صِدْقٍ مِنْ وُجُوهِ العَشَائِرِ

وَلَمَّا انْتَهَيْنَا نَحْوَ كَعْبَةِ رَبِّنَا

بَكَيْنَا وَجُدْنَا بِالدُّمُوعِ البَوادِرِ

تَسُحُّ عَلَى الخَدَّيْنِ وَبْلَا وِدِيمَةً

وَتَنْهَلُّ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ المُتَنَاثِرِ

وَقَفْنَا وَكَبَّرنَا االمَلِيكَ إلَاهَنَا

مَعَا ، وَاسْتَلَمْنَا بِالأَكُفِّ الطَّوَاهِرِ

عَلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ وَاللهُ شَاهِدٌ

عَلَى مَاسِحِيهِ عَالِمٌ بِالسَرَائِرِ

فَلَمّا انْقَضَى مِنْ حَُجِّنَا مَا انْقَضَا لَنَا

فَطُفْنَا وَوَدّعْنَا بِأَسْبُعِ صَادِرِ

دَعَانَا إِلَى الأَوْطَانِ شَوْقٌ مُبْرِحٌ

يُهَيِّجُ حَاجَاتِ النُّفُوسِ الذَّوَاكِرِ











المصدر :

مجلة الحج والعمرة – السنة الثالثة والستون

العدد العاشر – شوال 1429هـ