شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : اكتشافات أثرية بالغة الأهمية تجعل من لبنان متحفاً للتاريخ في الهواء الطلق


فراس كتبي
02-10-2011, 04:45 PM
اكتشافات أثرية بالغة الأهمية تجعل من لبنان متحفاً للتاريخ في الهواء الطلق



لا تتوقف بيروت عن ادهاشنا، ولا يخجل باطن أرضها مع كل ضربة (معول) من ابراز ما يكتنز من معالم أثرية تروي فصولا من آلاف السنين، هي شواهد على تعاقب شعوب وحضارات، تركت بصماتها في الحجر معالم أثرية، أمست اليوم تشكّل جزءا لا يتجزأ من تاريخ لبنان، وعنوانا أساسيا لـ (بلد تلاقي الحضارات).
فـ (لبنان) بلد الأرز العريق - والذي نأمل ان تسلم أرزاته من الحرائق المتنقلة في الطبيعة والمناطق، وبلد المعالم الأثرية المرتفعة فوق أرضه، هو أيضا بلد المعالم الأثرية المدفونة في باطن أرضه، والتي بفعل أعمال التنقيب الأثرية التي تقوم بها المديرية العامة للآثار، لما كنا اليوم في قلب هذا الحدث الأثري، فمع كل اشراقة شمس صباحية تقريبا، تكشف هذه الحفريات عن معالم أثرية جديدة، تضيف الى لبنان المزيد من وجهه الحضاري على انه فعلا بلد الحضارات.
ومن جديد هذه المكتشفات، ما يستوجب التوقف عنده، ويخرج هذه المرة من موقع حفرية، عرفت حتى قبل أشهر قليلة بـ (موقف الصوفيل). فانطلاقا من الاتفاقية المعقودة بين المديرية العامة للآثار وشركة (سوليدير) من جهة، ومع بلدية بيروت من جهة أخرى، والقاضية باستباق أعمال البناء في مطلق أي موقع في وسط بيروت والعاصمة، باجراء حفرية أثرية، كشف باطن أرض موقف (صوفيل) خلال أعمال الحفريات الأثرية على اكتشاف بالغ الأهمية ألا وهو (مدافن) من الحقبة الرومانية، اضافة الى معالم لمساكن ومدفن من الألف الرابعة قبل الميلاد.
الاكتشاف الأخير في موقع (حفرية الصوفيل) المرتقب ان يرتفع فيه بناء فخم من عدة طبقات، يعتبر الأهم من بين المكتشفات الأثرية في العاصمة بيروت. فعلى الرغم من ان المساحة الأثرية المكتشفة ليست بالكبيرة، لكن ما وجد أو كشفت عنه الحفرية الآثارية النقاب يعتبر في غاية الأهمية، اذ ان معالم مساكن من الألف الرابع قبل الميلاد، هو الأول من نوعه في بيروت، وتكمن أهميته لناحية العمق التاريخي لهذه المكتشفات، يعود لحقبة المكتشفات الأثرية في جبيل.


هذه المكتشفات النادرة، يصفها عالم الآثار والمشرف على حفريات بيروت الأثرية من قبل المديرية العامة للآثار أسعد سيف، بالاكتشاف العلمي البالغ الأهمية، إذ أن شأن هذه المعالم المكتشفة ان تسهم في اعادة النظر في الدراسات السابقة لحقبة الألف الرابع قبل الميلاد من جهة، ومن جهة ثانية ستشكّل عاملا أساسيا في اعادة دراسة الانتشار الروماني في تلك الحقبة، لمعرفة مدى التواصل بين هذه المكتشفات وتلك الموجودة في جبيل حاليا.
حفرية موقف الصوفيل الأثرية، وما تفتق عنها من معالم أثرية هامة، وفيما تؤكد على مدى الانتشار الواسع للحقبة الرومانية، يعتبرها عالم الآثار أسعد سيف انها نقطة تحوّل للانطلاق منها للمقاربة الأثرية لمنطقة الأشرفية ومعها بيروت، لأنه للمرة الأولى يظهر فيها مثل هذا النوع من الآثار، بعدما كانت الحفريات السابقة تخرج من باطن الأرض طبقات من الآثار المتعددة.
وفيما يلفت عالم الآثار أسعد سيف الى التعاون الكبير الذي أبداه مالك العقار ومتعهد ورشة البناء مع بعثة المديرية العامة للآثار، بمقابل تغطيته نفقة تكاليف الحفريات، يوضح بأن ما جرى اكتشافه في المساحة الصغيرة، جرى نقله الى مختبرات المديرية العامة للآثار، للقيام بأعمال الحفظ اللازمة، ذلك ان هذه المكتشفات وجدت في حالة هشّة، ما استدعى نقلها لحفظها.
وفي الوقت الذي انطلقت فيه ورشة اكمال أساسات البناء في موقع الصوفيل، بعد إتمام المهمة الأثرية، وعلى مسافة مرمى حجر منه، وتحديدا في الموقف الكبير في ساحة رياض الصلح حيث يشهد بدوره اعداد الأرض ظهور مجمع سكني ضخم، انطلقت أعمال تنقيب أثرية على مساحة معينة من الأرض، الهدف منها اجراء اختبار لمعرفة ما يمكن اكتشافه من آثار محتملة على كامل المساحة العقارية.
وفي هذا الاطار، وفيما رفعت البعثة خيمتها البيضاء وينكب علماء الآثار على الغوص أكثر فأكثر في عمق الأرض، اكتشفت البعثة بعض المعالم العائدة للحقبة العثمانية، ويوضح سيف في هذا الاطار: حاليا، وبعدما جرى تدعيم ما جرى اكتشافه، ستتم العودة الى العمل على هذا العقار، بهدف اكتشاف الحقبة الرومانية، اضافة الى غيرها من الحقبات، ذلك ان وسط بيروت انطلاقا من الحفريات السابقة التي أجريت، غني بالمواقع الأثرية المكملة لبعضها بعضا.
حمامات وآثارات
أما الجديد في ما سبق وجرى اكتشافه في منطقة وادي أبو جميل والمتعلق بـ (ميدان سباق الخيل الروماني) فيوضح سيف انه وبناء على كتاب رفعه وزير الثقافة السابق طارق متري الى شركة (سوليدير)، ومتابعة من قبل وزير الثقافة الحالي تمام سلام، لا تزال المفاوضات والمباحثات قائمة بهدف اعادة تأهيل الموقع لتحويله الى موقع سياحي مهم لمدينة بيروت...
وبموازاة هذا الموقع لجهة الجهة الشمالية من موقع ميدان سباق الخيل الروماني، يشهد عقار بمساحة ثلاثة آلاف متر مربع تقريبا حفرية أثرية، كشفت لليوم بعضا من معالم غير واضحة لما يعرف بـ (أندية) كانت تستعملها الغرف المتسابقة، هذه الأندية، يقول سيف انه لم تظهر بعد معالمها كاملة، وما اكتشف لليوم منها أجزاء من حمامات عائدة لها.
وميدان سباق الخيل الروماني الذي اكتشف في وادي أبو جميل في العقار 1370 الذي تملكه شركة سوليدير، يعود الى الحقبة الرومانية - البيزنطية التي امتدت بين القرنين الأول والخامس ميلادي ويقوم على مساحة 3500 متر مربع، ويقسم الى ثلاثة أقسام رئيسية:
> المدرجات من الناحيتين الجنوبية والشمالية من الموقع، والأساسات في الجهة الشمالية لا تزال محفوظة كما المدرجات اضافة الى جزء كبير من الحائط الذي يفصل المدرجات عن حلبة السباق.
> حلبة الميدان.
> وسط الحلبة وما تحويه بما يعرف بـ (الشوكة) التي تدور حولها الجياد خلال السباق، وهو بطول 90 مترا تقريبا.
والى هذه يضاف سلسلة من المكتشفات الأثرية المنتشرة على الأرض، وتتمثل بعدد من أعمدة الغرانيت الرمادي وقواعدها وتيجانها، وهذه، وفق سيف كانت تستعمل كركائز لشاحط من الخشب والقرميد الذي كان يغطي المدرجات، وتوّجت اكتشافات هذا الموقع، وتحديدا تحت مستوى الميدان بانشاءات ومدافن تعود الى الحقبة الهلنيستية.
هذا، وكانت قد كشفت حفريات أجريت في العام الفائت، في موقع مجاور لميدان سباق الخيل الروماني، على أجزاء مدرجات محفورة في الصخر، بحيث لا يستبعد عالم الآثار أسعد سيف احتمال ان يكون هذا الموقع بما يحوي امتدادا لميدان السباق في الجهة الغربية من منطقة وادي أبو جميل... وبانتظار ما ستحمله الأسابيع المقبلة من اكتشافات جديدة في الجهة الشرقية لموقع الميدان حيث أعمال التنقيب الأثري تشق طريقها، فان ميدان سباق الخيل الروماني في وسط بيروت (وادي أبو جميل) يتمتع بالأهمية الأثرية نفسها التي تتمتع بها مدرسة الحقوق. كما وانه الخامس في الشرق بعد ميادين صور في جنوب لبنان، والقيصرية في فلسطين، وجرش في الأردن، وبصرى في الشام.
معالم الجميزة
وبالانتقال الى منطقة الجميزة، فان أعمال التنقيب تسير على قدم وساق في موقعين اثنين، كما يقول العالم أسعد سيف، الأول في عقار بمساحة ألفي متر مربع، حيث ان أعمال التنقيب لا تزال في بدايتها، ولم يظهر الى اليوم معالم كثيرة، ولكن الدلائل تشير الى وجود آثار قد تكون رومانية، أما الموقع الثاني فيقع خلف مدرسة (البيجيه)، وقد رجح العاملون في الموقع الفترة العثمانية والمتمثلة باساسات للأبنية لتلك الحقبة، وفيما جرى تفكيك هذه الأساسات، يوضح سيف ان العمل جار حاليا للوصول الى المستويين البيزنطي والروماني.
ويوضح عالم الآثار المسؤول عن حفريات بيروت الأثرية أسعد سيف ان أصحاب العقارات التي تشهد حفريات أثرية يبدون كل تجاوب مع هذه الأعمال، ومستعدون لايجاد الحلول المناسبة عند ظهور أية معالم أثرية، بما في ذلك الحل القاضي بدمج المعالم مع المبنى، وبما خصّ موقع الحمامات الرومانية التي جرى اكتشافها في منطقة الصيفي - الجميزة العقارين 625 و616، ومصير معالمها الواضحة، قال سيف: ان المديرية العامة للآثار من خلال حفرياتها في موقع مار مارون المعروف بموقع الحمامات الرومانية حيث شارفت الحفريات على مرحلتها النهائية، ولا سيما لجهة تفكيك الجزء الهندسي من الحمامات ليعاد تركيبه بعد انتهاء أعمال البناء، في الطابق الأرضي من المبنى، وذلك بعد التوصل الى اتفاق نهائي مع المالك الذي يموّل الحفريات.
وبما خصّ هذه الحمامات الرومانية، أما أبرز المكتشفات الأثرية التي ظهرت وتشكّل معلما أثريا قائما بذاته فهي:
> بركة مياه ضخمة من حجارة الغرانيت، تحافظ على تفاصيلها الهندسية، معلقة بالحائط، وسوف يتم تفكيكها وحفظها ومن ثم اعادتها الى الموقع لدمجها مع المبنى كما تقضي الاتفاقية الموقعة بين المديرية العامة للآثار وشركة سوليدير وبلدية بيروت.
> معالم شبه متكاملة لأقسام الحمامات الرومانية، بما في ذلك الغرفة الساخنة، الغرفة الدافئة وغرفة تبديل الملابس.
> البنى التحتية لامدادات الهواء الساخن التي طالما اشتهر بها الرومان.
> فسيفساء بطول حوالى 28 مترا وعرض 12 مترا.
ويضاف الى هذه المكتشفات المتمثلة ببقايا مداميك بناء، بما في ذلك المنطقة الصناعية لتصنيع الزجاج والبرونز والفخار، وفرن لصناعة الأواني الزجاجية، والتي تعود بمجملها الى بداية القرن الأول بعد الميلاد، يضاف الى كل هذه مكتشفات أثرية تجلّت بقطع فخارية وزجاجية كثيرة.
الى ذلك، فان أعمال التنقيب الأثرية التي تجريها المديرية العامة للآثار، لا تتوقف عند حدود العاصمة بيروت، انما تمتد الى مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما في مدينة صيدا التي بدورها تختزن مواقع أثرية بالغة الأهمية، حيث كشفت آخر أعمال التنقيب عن سور يعود للحقبة المتأغرقة في ساحة الشهداء، والمفاوضات جارية حاليا مع مالك الموقع بهدف حفظ السور في موقعه، اضافة الى اكتشاف مدافن الحقبة الرومانية وجزء من الطريق الرومانية الشمالية لمدينة صيدا الرومانية.
وعليه، فانه انطلاقا من هذه الجردة لمجمل الحفريات الأثرية وجديدها في العاصمة بيروت، يظهر باطن الأرض كرمه على اللبنانيين، كرم يتجلّى بمواقع أثرية تعود الى حقبات ضاربة في جذورها تاريخ لبنان القديم، وتجعل من لبنان متحفا في الهواء الطلق، ليس فقط لهذه الآثار، انما لما تحمّله من معان عميقة في مفهوم لبنان بلد الحضارات المتعاقبة على أرضه، والأمل ان تشكّل هذه منطلقا لاستيعاب أهمية تعدد الحضارات على أرض لبنان لفهم معنى التعددية التي يشتهر بها لبنان في العالم، كنموذج للتعايش المشترك... خصوصا، ان هذه الآثار الضاربة في عمق أرض لبنان، ومجبولة بترابه الذي فوقه ارتفع بنيان، انما هي اشارة الى أهمية هذا البلد في موقعه كنقطة تلاق حضاري بين الشرق والغرب... في القديم، واليوم، فهل يلتقط اللبنانيون رسالة هذه الاكتشافات، ويحترمون مضمونها، لاحترام وجودهم على هذه الأرض?



المصدر : مجلة الآثار
الكاتب : الأنوار