شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : المؤتمر الدولي أصداء الثقافة الأندلسية في المشرق الإسلامي


فراس كتبي
02-08-2011, 07:23 PM
المؤتمر الدولي "أصداء الثقافة الأندلسية في المشرق الإسلامي"




" تحولت الأندلس – التي أسسها المسلمون في شبه جزيرة أيبيريا 711 م بعد أن فتحها القائد طارق بن زياد - وعلى مدى تاريخها الطويل من واقع محسوس منصهر تماما في المجتمع الإسلامي إلى مجرد صورة أسطورية وسياسية ودينية وثقافية في ذهن المشرق الإسلامي ، فضلا عن تحوله في الضمير الشعبي المشرقي إلى أحد أهم الإنجازات التي حققتها الحضارة الإسلامية .. ولا زالت الأندلس تشكل مجدا ضائعا تبكي على أطلاله الأمم الإسلامية " .
ومؤخرا نظمت جامعة الأزهر بالتعاون مع المعهد الثقافي الإسباني ثربانتس بالقاهرة المؤتمر الدولي "أصداء الثقافة الأندلسية في المشرق الإسلامي" والذي افتتحه كلا من د. أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر، وأنطونيو لوبث سفير إسبانيا بمصر، ود. شعبان خليفة عميد كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر، ولويس خابيير رويث سييرا مدير معهد ثربانتس بالقاهرة.
وحفل المؤتمر علي مدى ثلاثة أيام بالعديد من الدراسات التي قدمها متخصصون مصريون وأسبان . حيث قدم د. أنطونيو إلورثا دومينجيث أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة مدريد المركزية ورقة بعنوان " ابن رشد والمذهب العقلاني السياسي في الإسلام المشرقي المعاصر"، وبها وصف أعمال بن رشد بالشجاعة وبأنه ما زال يظهر في الوقت الراهن "كأهم مصباح بإمكانه أن ينير التطور التقدمي للفكر الإسلامي في مواجهة انتشار التيار الإرهابي" .
خواطر شاردة حول العلوم والثقافة الأندلسية في المشرق قدمها د. إيميليو جونثاليث فرّين مدرس الفكر العربي والأندلسي بجامعة أشبيلية، والذي تحدث في البداية عن ذكرياته في مناطق وشوارع القاهرة عندما أتي إليها ليبدأ حياته العلمية عام 1988 . وقال : "كنت يوما أعيش في مصر (أم الدنيا) وتعلمت أشياء مختلفة مهمة وتعلمت كلمة تقال كثيرا في مصر هي (أحسن ناس) وقد قابلت في مصر بالفعل أحسن ناس".
وأكد أن الثقافة العربية لم تكن ثقافة ترجمة بل ثقافة تعليم ولم يترجم العرب من أجل الترجمة فقط والنقل وإنما للتطبيق، فكانت الترجمة شىء فاعل وليست كتب توضع في المخازن.

ابن رشد فقيها
د. عبدالحميد مدكور استاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم أكد أن ابن رشد برع في علوم كثيرة أهمها الفلسفة والفقه والطب وقد استحوذ جانب فلسفته علي اهتمام الدارسين حتي حجب كثيرا من جوانب إبداعه في مجالات علمية أخري، فقد كان ابن رشد فقيها وقاضيا، بل قاضي القضاة بقرطبة وكان سليل أسرة عنيت بالفقه وعرفت به.
ولابن رشد في الفقه مؤلفات أهمها "بداية المجتهد وكفاية المقتصد"، و"تلخيص كتاب المستصفي للغزالي"، فنجده في "بداية المجتهد" قد تحرر من التقليد الذي يكاد يخرج بأصحابه إلي التعصب الذميم الذي أدى في بعض الأحيان إلي أن يؤذن للصلاة في المسجد الحرام بمكة 4 مرات وأن تقام فيه جماعة 4 مرات علي حسب المذاهب الفقهية.. وفي الكتاب دعوة إلي الاجتهاد وعدم الاكتفاء بالرواية والحفظ لفروع المسائل لأن الفقيه ليس هو الذي يحفظ المسائل وإنما الذي يمعن النظر في فهمها.
سلاطين المماليك
يوضح د. محمد فوزي انه بعد اكتساح الأسبان للأندلس توافد الأندلسيون إلي مصر والشام والحجاز بشكل متتابع خلال عصر سلاطين المماليك وانتشروا في شتي مدن السلطنة ولم يكتف الأندلسيون بمجرد الهجرة والاستقرار في كنف السلطنة، لكنهم شاركو مشاركة فعالة في الحركة العلمية الدائبة فيها .
وأشار الدكتور حجازي عبدالمنعم إلي أن الأندلسيين لم يتوانوا عن طلب العلم والارتحال إليه من أقصي المغرب إلي أقصي المشرق غير عابئين بالمخاطر التي ربما تعرضوا لها، وتمكنوا من شغل مكانة مهمة داخل الأروقة الإدارية ودهاليز رجال الحكم وإدارة مدارس وبيمارستانات لها عراقتها، فضلا عن براعة بعضهم في الطب والكيمياء والفصل في قضايا شائكة بين علماء المشرق وتأديب أبناء السلاطين وملازمة عدد منهم مثل الأفضل بن بدر الجمالي الوزير الفاطمي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وأخيه العادل وابنه الكامل وغيرهم.
ثوب مشرقي
أوضح د. مصطفي لبيب أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب القاهرة، أن روائع المؤلفات كانت تنتقل من مشرق العالم الإسلامي إلي مغربه والعكس.
وأضاف انه كان من الطبيعي أن تمارس الثقافة الإسلامية التي أفرزتها حواضر الشرق نفوذها في الثقافة المغربية والأندلسية، ومع ذلك لا نعدم أن نجد مناسبات حقيقية أثرت فيها الثقافة المغربية والأندلسية بعمق في ثقافة أهل المشرق.
ولعل خير ما يحضرنا من شواهد رائعة ابن طفيل القيسي الأندلسي وهي رسالة "حي بن يقظان" درة الأدب الفلسفي في الإسلام، وقد عرف المشارقة هذا العمل الأندلسي الذي يعد مفاخر الفلسفة العربية، وتاثروا به وعرف هذا التأثر بوضوح في عمل آخر متميز أبدعه بعد قرن من الزمان الطبيب الفيلسوف ابن النفيس الدمشقي المولد والذي كان رئيسا لأطباء مصر في عهد الظاهر بيبرس وخليفته المنصور قلاوون، وهي رسالته "فاضل بن ناطق" أو "الرسالة الكاملية في السيرة النبوية".
يهود الأندلس
د. رئيسة جميل المدرس بقسم اللغة العبرية بجامعة الأزهر أكدت أن الحالة الفكرية لليهود في الأندلس شهدت ازدهارا ملموسا بسبب الاستقرار السياسي الذي ساد في ظل الفتح الإسلامي وبسبب حب العرب الفاتحين للعلم ومجالس الدب وسماحهم لليهود بحضور تلك المجالس التي تعرفوا من خلالها علي العديد من الأجناس الأدبية التي لم تكن معروفة لديهم من قبل مثل فن المقامة العربية الذي جذبت اهتمام اليهود فكانت المقامات العربية التي كتبها بديع الزمان الهمذاني والحريري البصري فاتحة الطريق أمام اليهود لهذا الفن فقام العديد منهم بترجمة بعضها إلي اللغة العبرية والذين كان من بينهم سليمان الحريزي الذي تأثر بالثقافة العربية واكتسب شهرته من ترجمته لمقامات الحريري البصري، ثم شرع بعد ذلك في كتابة مقامات خاصة علي غرار مقامات الحريري عرفت باسم "تحكموني" والتي تنوعت موضوعاتها فجمعت بين الفكر الديني والعلماني.
العمارة الأندلسية
تناول د. محمد حمزة الحداد أستاذ العمارة والآثار بجامعة القاهرة التأثرات الأندلسية في العمارة الإسلامية بالمشرق، موضحا أن الطراز الأندلسي يعد أحد الطرز الفرعية التي انبثقت عن الطراز الإسلامي العام والذي نشأ علي أرض الأندلس وتطور بها وتميز بسمات خاصة وشخصية مستقلة.
تناولت د. حنان مطاوع بآداب الإسكندرية الدور الكبير الذي لعبته مدينة قرطبة في صناعة المنابر الخشبية منذ عصر الدولة الأموية، حيث ظل فن صناعة المنابر القرطبية منذ عهد الحكم المستنصر، يمارس تأثيره علي المنابر المغربية على أساس أن صناع قرطبة حازوا قصب السبق في تلك الصناعة بالذات وذاع صيتهم في تشكيل المنابر المغربية.
كما ساهم حكام الأندلس بعد الحكم المستنصر في تقدم صناعة المنابر المغربية عن طريق تكليف كبار رجال الدولة بالإشراف على صناعتها والمثل لذلك الخليفة هشام المؤيد الذي أمر المنصور ابن أبي عامر بالإشراف على صناعة منبر مسجد الأندلسيين بمدينة فاس، كما أشرف بعض القضاة على صناعة المنابر القرطبية التي كانت تصدر إلى بلاد المغرب. وهكذا شغف حكام الأندلس بصناعة المنابر القرطبية واعتبروها تحفاً قيمة قدموا كهدايا نفيسة إلى حكام بلاد المغرب منذ عصر الدولة الأموية وحتى نهاية عصر الموحدين.
وتؤكد د. مطاوع علي وجود أسلوب قرطبي أندلسي جديد في صناعة المنابر يصح تسميته بالطابع القرطبي الأندلسي الذي أثر في الأساليب الفنية الفاطمية التي كانت سائدة في شمال أفريقيا ثم انتقلت إلى مصر وامتدت إلى عصر المماليك.
الخزف والمخطوطات الأندلسية

ناقش د. إيهاب أحمد إبراهيم بآثار القاهرة فكرة التأثيرات المتبادلة بين الأندلس وبقية أنحاء العالم الإسلامي من خلال التصوير الإسلامي في المخطوطات التي ترجع إلى المدرسة العربية والتي انتشرت تقريبا في جميع أنحاء العالم العربي الإسلامي حيث ظهرت مراكزها الفنية في العراق وسوريا ومصر وامتدت إلى شمال إفريقيا والأندلس فضلا عن إيران.
بينما أوضح الدكتور عبد الخالق على الشيخه بآثار القاهرة أن من بين المؤثرات الخارجية على الخزف الإسلامي في مصر والشام خلال العصر المملوكي كان التأثير الأندلسي وذلك خلال القرنين الـ (8/9 هـ - 14/15م).

وقد عثر في حفائر مدينة الفسطاط على كميات كبيرة من الخزف الأندلسي الذي يرجع إلى القرنين الثامن والتاسع الهجري وهو محفوظ حاليا بمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، كما أن أواني البريق المعدني "الأندلسي" قد صنعت في الفسطاط حيث يوجد موقع أفران فسيح وهو دليل على التصنيع المحلي الكبير لهذا الخزف في مصر.
حمامات المغاربة
د. محمد على عبد الحفيظ محمد أستاذ الآثار الإسلامية المساعد بجامعة الأزهر يوضح أن المغاربة شكلوا فى مدينة الإسكندرية جالية قوية خلال العصر العثمانى وعصر محمد على، لعبت دورا فعالا فى تاريخ المدينة السياسى والاجتماعى والاقتصادى ، وكانت طائفة المغاربة بالإسكندرية هى الطائفة الأكبر عددا بين الطوائف المغربية فى المدن المصرية قاطبة.

وقد اندمج المغاربة فى المجتمع السكندرى وكان من ضمن المجالات التى استثمر فيها المغاربة أموالهم مجال " الحمامات " العامة حيث قام بعض التجار المغاربة بإنشاء حمامات جديدة بالمدينة فى المناطق التى تفتقر لهذه النوعية من المبانى، بينما قام آخرون بشراء حمامات بكاملها أو حصص فى حمامات، واستأجر بعضهم حمامات وأداروها بمعرفتهم.

ومن أهم الحمامات التى بناها أو تملكها المغاربة خلال تلك الفترة، حمام عطيه، حمام سيدى سالم، حمام الشيخ إبراهيم باشا بالمنشيه، حمام الشيخ إبراهيم باشا بباب سدره، حمام جميعى، حمام الناضورى.

غرناطة في الذاكرة

د. حامد أبو أحمد بكلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر أكد أن غرناطة مدينة من المدن الأندلسية التى لم يعرف التاريخ مثيلا لها، فقد كانت آخر قلعة سقطت فى الأندلس عام 1492 م، ولا شك أن هذا السقوط وجه أنظار الكتاب والمبدعين إلى حادثة مهمة تستحق بكل جدارة أن تكتب النصوص حولها، ومن هنا ظهرت قصص وروايات تدور حول الأحداث الأخيرة فى الأندلس وحول حياة أبى عبد الله ومولك بنى الأحمر، ومن ذلك رواية أنطونيو جالا المعروفة "المخطوط القرمذى"، وهى نص له أصداء عالمية وترجم إلى اللغة العربية.

حادث السقوط أيضا أدى إلى ظهور كثير من الأشعار، لعل من أولها هذا البيت الذى نسبه الرواة إلى عائشة أم أبى عبد الله التى قالت له:

ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال

أما غرناطة فى عز مجدها فكانت مسرحا لنصوص كثيرة من بينها الكتاب المشهور لابن الخطيب (لسان الدين) "الإحاطة فى أخبار غرناطة"، وأشعار تلميذه ابن زمرك على جدران قصر الحمراء وغير ذلك.

الشعر العربي والأوروبي

د. على البمبي بكلية اللغات والترجمة بحث مدى تأثير الشعر العربي في نظيره الأوروبي، موضحا أنه قبل أكثر من قرنين من الزمان وفى ظل غياب الدراسات والأبحاث فى الأوساط النقدية الغربية عن الأدب العربي، أعلن اليسوعى الإسباني "خوان أندريس" بأن الإبداعات الخلاقة والدراسات الرائعة فى الآداب الغربية تدينان بالفضل للأدب العربي. وبعد نصف قرن قام عدد من المستشرقين الأوروبيين ببحث هذا التأثير، وفى عام 1912 قام المستشرق الإسباني خوليان ريبيرا بدراسة المخطوطة الوحيدة الباقية لأزجال ابن قزمان، وخلص إلى أن هناك تشابها كبيرا بين الموشحات والأزجال الأندلسية وبين الشعر الأوروبي.

علماء الحديث الأندلسيون

أوضح د. محمد أحمد عيسوي بآداب القاهرة أن نشاط علماء الحديث النبوي الأندلسيون بدأ يتسع بصورة لافتة بمعاوية بن صالح (المتوفي 178 هـ)، ثم يزداد هذا النشاط اتساعا واكتمالا ببقي بن مخلد (276 هـ) الذي ألف مصنفه الكبير في الحديث النبوي، ورتبه على أسماء الصحابة، وروي فيه ع ألف وثلاثمائة صحابي، ثم رتب أحاديث كل صحابي على أبواب الفقه.

ومن أهم علماء الحديث الأندلسيين الذين قدموا مصر يذكر: ابن نادر الميورقي، ابن الأقليشي، ابن شاس الخلال، ابن دحية الكلبي، القرطبي، الششتري.

تناول د. باربارا بولويكس جياردو بجامعة غرناطة، الهجرات التي قام بها الأندلسيون كنتيجة مباشرة للأزمة الاجتماعية التي انفرط عقدها في الأندلس خلال النصف الأول من القرن الثالث عشر بعد ما حققه مسيحيو شبه الجزيرة من فتوحات كبيرة في الأراضي الإسلامية. لقد أدى سقوط المدن الرئيسية الأندلسية في أيدي المسيحيين إلى حدوث نوعين من
الهجرات السكانية.

وقد دفعت الظروف السياسية في الأندلس بالمسلمين إلى خارج البلاد، فيما يشبه النفي الإجباري، المتخفي في أشكال عدة وفقاً لكل حالة. ومن بين أهم البلاد التي كان يقصدها المهاجرون نجد شمال أفريقيا، والمشرق العربي الذي جذب رغم بعده أعداداً هائلة من المهاجرين الذين نقلوا خبرات ومعارف كانوا يملكونها في "الأندلس".
وأكد د. جوستابو ترينثو بيجا مدير مؤسسة الدراسات الإسلامية بمدريد، أن تحول صورة "الأندلس" إلى إحدى الأساطير الأكثر هيمنة وجاذبية في الفكر العربي يعد من أهم الإسهامات التي قدمتها بلاد "الأندلس" إلى المشرق الإسلامي، من حيث إدراكه كواقع محسوس.




المصدر : مجلة الآثار
الكاتب : محيط