شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : مدينة عدن التاريخية وصناعة الحرف القديمة


فراس كتبي
02-08-2011, 07:15 PM
مدينة عدن التاريخية وصناعة الحرف القديمة



من مخرجات الواديين الكبير والصغير اللذين تروي سيولهما محافظتي لحج وأبين، وتصب طفحتهما الطينية "ذات الماء الطيني الرائب" في وادي الحسوة، وبحرها فضلا عن دلتا بئر أحمد والممدارة اللتين كانتا تحفلان بالعمالة اليمنية الماهرة امتدادا لصِنْعَةِ الآباء والأجداد القديمة، مثل المصنوعات الفخارية والخزفية المتنوعة الأنواع والألوان المصنوعة من عجينة طين الوادي، التي استخدموها في حياتهم اليومية.
وصناعة الفخار والمواد الخزفية في عدن القديمة والضواحي المحيطة بها يعود تاريخها إلى أكثر من ألف سنة قبل الميلاد، والتي كشفت عنها الحفريات التاريخية ورجال الآثار في منطقة صبر وبئر النعامة والممدارة ومنطقتي جعولة وبئر أحمد، حيث كشفت التنقيبات عن الآثار في هذه المناطق عن وجود القوارير والجرار الخزفية أو الفخارية إلى جانب مصوغات خزفية صنعوها للزينة، وهو الخزف القديم المعروف باحمرار لونه، وتطورت صناعته الحرفية على أيدي الأجداد اليمنيين في مدينة عدن التاريخية ومناطق جعولة، وقرب كود ولي الله الصالح المحولي، ووادي بئر أحمد، ومنطقة الممدارة، وكذلك في منطقة صبر بمحافظة لحج، لتصبح تلك الصنعة الحرفية فنا رفيعا، وحتى يومنا هذا يدخل فنه إلى جميع البيوت يحمل الجمال والنفع معا، ولا زالت له وظيفة في التنمية السياحية والصنعة السياحية والجذب السياحي.

رائدة صناعة المدر (الفخار)
طلاسم هذه الحرفة التاريخية كشف عن رموزها وأسرار ألغاز حرفتها من التقيناهم في منطقة الممدارة التي تعد ضاحية من ضواحي مدينة الشيخ الدويل (الشيخ القديمة)، والتي أطلق عليها مدينة الشيخ عثمان نسبة إلى اسم ولي الله الصالح الشيخ عثمان الذي ارتبط اسم المدينة باسمه، أي أننا استقينا معلومات عن هذه الصنعة التاريخية من أحفاد الشيخ أحمد محمد عكبور، الذي اكتسب هذه الخبرة والصنعة من رائد هذه الصنعة الجد عكبور، الذي عرفته بحار العالم شرقه وغربه وامتزج بشعوبه وعرف عنهم أسرار هذه الصنعة وتاريخها وأنواعها وأشكالها، فضلا عن أنه كان أدبيا ومثقفا ويجيد عددا من اللغات العالمية اكتسبها بالخبرة، فضلا عمّا تداوله من الأجداد من معرفة خبايا هذه الصنعة، وكان شخصا فكاهيا ومرحا وهو إلى جانب كونه شخصية كاريزمية إلا أنه يجيد النكتة السياسية، وله عبارات لا زالت تتندر بها الأجيال، حينما هدد السلطات البريطانية إذا لم تحقق مطالب ولاية الممدارة فإنه سيتحرك بقواته إلى احتلال منطقة الشيخ عثمان، وهذا التهديد وإن كان أشبه بمزحة السخرية تجاه المستعمر البريطاني إلا أنه كان يحمل في طياتها معانيا عظاما، فضلا عن أن الشيخ عكبور كان له مظهر خاص به في لباسه، حيث كان لا يفارقه الكوت الأبيض صيفا وشتاء، والعمامة السوداء المحزمة بمشغولات الحرير الخالص الهندية، وفوطة "المسعيدون" من الحرير الخالص، والعصا "الوجر" المدورة الرأس المصنوعة من الخشب "البونة" الغالي الثمن والمتين والقاتلة في ضرباتها. ومن مميزات مظهره الملفت للنظر أنه كان يلبس الجوارب مع الجزمة إلى جانب الفوطة دون السروال، وهذه خصوصية جميلة للجد عكبور تميزه عن غيره.
وحينما التقينا أحد أحفاد الشيخ عكبور رائد هذه الصناعة في الممدارة، وطلبنا منه اصطحابنا إلى الأفران القديمة التي كانت تصنع فيها مادة الفخار والخزف في الممدارة، صمت في حسرة وخرجت من أعماقه تنهدات مملوءة بالأسى والحزن على تاريخ هذه الصنعة ومستقبلها المرتبطة بتاريخ هذه الأسرة العريقة، قال لنا "تصوروا لم يوجد من هذه الأفران سوى فرن قديم متآكل، وهو الآن مهدد بالابتلاع من قبل المستحوذين على الأراضي والسماسرة الذين لا يهمهم الحفاظ على التاريخ وعلى هذه الصنعة التاريخية المرتبطة بمكونات ثقافة ووجدان سكان عدن القدماء وتاريخ هذه المدينة العريقة"، وبعد هذه الكلمات صمت والحزن والألم ينبلجان من على جبينه.
قلت له لا تحزن ها هي معالم عدن التاريخية يبتلعها السكن التجاري على مرأى ومسمع الجهات ذات العلاقة، لكننا نأمل خيرا من قيادة المحافظة ممثلة بالدكتور عدنان الجفري، أن يعيد المجد التاريخي لهذه المدينة ولهذه الصنعة التاريخية ولمنطقة الممدارة التي احتضنتها. ثم اصطحبني حتى وصلت إلى الفرن التاريخي ورأيت شبابا يعملون بحب وإخلاص في عجين الطين وإدخاله في فرن الاحتراق، لا يهابون من حرارة الاحتراق والشمس المحرقة. وقلت لهم أليس هذه مهنة مضنية ومتعبة. قال أحدهم: نجد في هذا التعب سعادتنا وذاكرة أجدادنا التاريخية، وقاطعه أحدهم: "هذا موروث تاريخي سنحافظ عليه كحدقات أعيننا، لقد كان يؤدي وظيفة اقتصادية وحياتية لأجدادنا وما زلنا نتوقع لها التوسع والتطور لتصبح عامل جذب للسائحين، وهذا بالطبع إذا كان حصل تشجيع من قبل الجهات المعنية في المدن التاريخية والآثار ومكتب الثقافة".

التجفيف والاحتراق
ويضيف حفيد الوالد عكبور أن الهدف من تجفيف الفخار عدم حدوث أي التواء في تشكيل العجينة، والتجفيف يصحبه انكماش، حيث يكون ماء السطح أسرع إلى الخروج من ماء الباطن، ويؤثر هذا في الشكل فيوفر له جوا ملائما بتعريضه للهواء ونشره على الأرض في الفضاء، وقد يعلوه سقف يحميه، وتسبق هذا عملية تشكيل المصنوعات من المادة الطينية التي تظل فترة تتراوح ما بين10- 15 يوما تحت أشعة الشمس، ثم تؤخذ إلى أفران خاصة، حيث تحرق المصنوعات إلى أن تصبح ذات لون أحمر وتصبح صلبة متماسكة، ثم نضع عليها الألوان بعد ذلك ونخرجها إلى أحواش خاصة لغرض العرض والتسويق. ومضى يقول: "إن السقف الذي يحمي به الشكل المصنوع يهدف إلى حمايته من تغيرات الجو ومن المطر، خصوصا وأنه يحمل على أرفف خاصة طبقا فوق طبق في حظيرة واحدة، وقد يجفف الفخار برصه في عربات تخزن في أنفاق تُحمى بالوقود وبالغازات الحارة التي تأتي من المحارق، وكل شيء ينظم ويرتب بحيث لا يصيب الطوبة المصنوعة أي تغير في شكلها. وهناك من أهل الخبرة من يمزج الهواء الموجود في العجينة قبل تشكيلها، وهذا يساعد على الإبقاء على شكلها عند التجفيف وعند الاحتراق، ويصنعون هذا بأفران العجينة، وهي طبقة رقيقة في شبه صندوق مفرغ من الهواء، ويعملون هذا بمادة الطوب وغيرها من المواد الخزفية. وكل ما ذكرناه من الطوب، من حيث الجفاف، ينطبق على سائر المواد الخزفية، وكان جدنا عكبور والعمال الذين معه يصنعون في الساعة -بحسب ما رواه لي الوالد- ما بين 1000 إلى 5000 طوبة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي؛ لكثرة العمالة آنذاك وطلبات الناس لهذه المصنوعات التي كانت تؤدي وظيفية حياتية في كل البيوت، أما اليوم لا نصنع إلاّ حوالي 100 - 200 لبنة؛ لقلة العمالة وعدم استخدام هذه المصنوعات في الحياة اليومية، واقتصرت وظيفتها في بعض الأرياف، إذ تقدم في إطار العرض والجذب السياحي.

الإحراق ليس اعتباطا
كما عرفت من إفادة حفيد الوالد عكبور أن إحراق المادة المصنوعة من الطين يعطيها قوة وصلابة وقدرة على البقاء، ويعطيها منظرا جميلا. ولتقوية مادة الطين المخصصة لصناعة الفخار لا بد من حرارة تفوق 800 درجة مئوية في الأفران المبطّنة بالطوب. وقد تحتاج 1500 درجة مئوية، وعلى كل حال لكل نتاج خزفي درجة أو درجات في الصناعة معروفة. ومضى في شرحه لي قائلا: الإحراق له ثلاث خطوات، أولا يبدأ بعد أن يخرج من الخزف ماء الجفاف بإخراج الماء المتحدّر من الطين، ويخرج أكثر هذا الماء عند 500 درجة مئوية، وعندئذ يبقى الطين في أقصى درجاته وقوته.. وبعد خروج ماء الجفاف أو الإلصاق تحدث الأكسدة فتتأكسد في الطين كل المواد القابلة لذلك وأولها المواد العضوية والأكسدة تبدأ من 300 إلى 900 درجة مئوية، فالكربون والكبريت يحترقان، ويتأكسد الحديد فيظهر على الخزف لونه الأحمر الجميل المعروف.
أكواد المحولي المعروفة بارتفاعها وابتلاعها للرمل الأملس والذهبي في درجة ارتفاع الجبال الكائنة في ما كانت تسمى بـ"سائلة العقارب" الواقعة بين ما كانت تسمى بـ"سلطنة لحج"، ومشيخة العقارب تبعد عن عدن بحوالي عشرة كيلومترات، وسميت بـ"أكواد المحولي" نسبة إلى ولي الله الصالح المحولي، الذي يرقد قبره وسط هذه الرمال المتحركة، وهي في الأساس تشكل المواد الخام لصناعة الزجاج، ونأمل أن تبذل وزارة الصناعة ووزارة النفط جُلّ اهتمامها لهذه المنطقة؛ لإعادة المجد لهذه الصناعة المربحة، إذا ما تم استثمارها استثمارا أمثل. والحقيقة هذه المنطقة التي تتوسط الطريق الرملي ما بين بئر أحمد وقرية الوهط كانت مزارا لولي الله الصالح المحولي، وإقامة المراسيم الشعبية للاحتفال به تحت مسمى "حفل الزيارة"، وأكثر الناس اعتقادا به أهالي السيلة، وآل هران والعقارب، وأهالي الوهط، وسادة آل باعلوي مناصيب الولي، الاحتفال به يشكل جزءا من الفلكور الشعبي والمكونات الثقافية لأهالي هذه المنطقة، وهي أشبه بتجمع اقتصادي وتسويقي وترويجي لتسويق حلويات الوهط المشبك المكركر، والحلوى والمضروب الأبيض، التي كانت تشكل صنعته وتسويقه أيام مراسيم الاحتفال بهذه الزيارة، كهدايا يشتريها الزوار لأهاليهم وكان يطلق على هذه الهدية "التسميرة".
ولنرجع مجددا إلى "أكواد المحولي" مصدر صناعة الزجاج الفخاري التاريخي القديم في ضواحي عدن، وهي رمال شاهقة تغطس فيها أرجل المشاة حتى تصل إلى الركبة أحيانا، أشبه برمال الربع الخالي.
قرب هذه الأكواد ووسطها كانت تقام أفران ومعامل بدائية مصنوعة من الطين المحروق، وكان يطلقون عليها محارق صناعة الزجاج الفخاري حوالي ما يقارب الـ200 سنة في منطقة السائلة (سائلة العقارب) عمر هذه السائلة تقريبا 700 سنة.. وهذه المنطقة أُرسي فيها أول "مدماك" لصناعة الزجاج الفخاري، لكن للأسف انقرضت هذه الصناعة ولم يبقَ منها شيء حتى الآن، وقد توقفت مراسيم زيارة الاحتفال بهدم مزار قبر الولي... حيث كان يجتمع الناس في الاحتفال بمزاره، لا للاعتقاد وبحسب ما يزعمون، إنما لتعارف الناس القاطنين في المناطق القريبة من الولي ومعرفة مناقبه الشرعية والفقهية والأدبية وللتسوق الشعبي وممارسة الفلكلور الشعبي وهي أمور يعتبرها السلفيون بدعة.

كيف يصنع الزجاج الفخاري؟
- يفيد الوالد عمر منذوق، وهو من البدو الرحل والرعاة الذين قطنوا منطقة المحولي سعيا وراء المال والكلأ لرعي أغنامهم وحكى له جده عن صناعة الزجاج وعمره يناهز التسعين عاما، إلا أنه قويا وكأنه شابُ بسبب تعاطيه لبن الإبل في الوجبات الثلاث من ناقته، ويقول: لبن الإبل يحوي أكثر من 20 نوعا من الحديد والفيتامينات، كما أخبره أحد الأطباء، على كل حال نعود لصنعة الزجاج في هذه الأكواد. ويضيف ابن منذوق قائلا: أكواد المحولي الرملية والشاهقة ممتزجة بالتربة الطينية مع "النيس" الأبيض إلى الذهبي الناعم والمائل إلى البني الداكن والأسود أحيانا، وهي من المواد الخام الرئيسية المطلوبة لصناعة الزجاج الفخاري، ولو بشكلها البدائي آنذاك، وقد كان بعض أقربائه في مطلع الخمسينيات يقومون بإحراق مادة الطوب المشكّلة لصناعة الأدوات الزجاجية في الأفران والمحاريق القديمة، حيث كانت تصنع القنينات والقوارير والصحون الزجاجية والمرايات والنوافذ والشبابيك الزجاجية، أما اليوم، بحسب كلامه: "لا نرى إلا أثارا متناثرة من الأدوات الزجاجية التي صنعت في الماضي". وأردف قائلا، والحزن يظهر على تجاعيد وجهه: "إنها حضارة سادت ثم بادت، كما يقول الحكماء العرب".

صناعة تاريخية مهددة بالانقراض!!
حينما سألنا الخبير والحرفي ب"الفطرة" والنقل عن الأجداد مطنوش الزبيدي، من سكان هذه المنطقة القدامى، عن أسباب انحسار صناعة المدر الفخارية أو الخزفية، وهما في اللغة شيء واحد ... عزى هذا الانحسار إلى البناء العشوائي في الأراضي الزراعية وفي الوديان الغنية بالتربة الطينية، وهي المادة الخام التي يصنع منها المدر والأواني الفخارية أو الخزفية..


الدور التسويقي والسياحي
الصناعة الحرفية الفخارية والخزفية تتصدر اهتمامات الصناعة السياحية في العديد من بلدان العالم كوسيلة مدرة للدخل وتشغيل الأيادي العاطلة في بلادنا، وفي محافظة عدن على وجه الخصوص.. فبالرغم من إنشاء المركز الوطني لتطوير الحرف اليدوية ضمن إطار الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بهدف إحياء الحرف اليدوية التاريخية التي تكاد أن تنقرض.. إلا أنه حتى الآن لا يوجد فرع لهذا المركز في عدن الذي يتحمل وضع برامج التدريب المختلفة لأهمية هذه الحرف.. فأين نحن من بعض الدول العربية والأجنبية التي استثمرت، أيما استثمار، في هذه الحرف وشغلت الآلاف من الأيادي العاطلة، وأقامت الشركات الصغيرة لتسويقها عالميا ونجحت في الحصول على العملة الصعبة..




المصدر : مجلة الآثار
الكاتب : سبأ نت