شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : منطقة الأشعرى بسوريا ..تاريخ وحضارات ضاربة فى القدم


فراس كتبي
02-08-2011, 02:47 PM
منطقة الأشعرى بسوريا ..تاريخ وحضارات ضاربة فى القدم




تعد منطقة الأشعرى فى محافظة درعا من المناطق السياحية والأثرية المهمة فى المحافظة و ذلك لاحتوائها على شواهد و لقى أثرية كثيرة أغنت المعلومات عن تاريخ الاستيطان فى منطقة جنوب سورية والحضارات القديمة التى شهدتها والشعوب التى سكنتها منذ فجر التاريخ و حتى يومنا هذا.

وتقع منطقة الأشعرى إلى الغرب من مدينة درعا و تبعد عنها حوالى 15 كم و تتميز هذه المنطقة بموقعها الجغرافى و بإطلالتها الجميلة على وادى اليرموك الغنى بالمناظر الطبيعية الخلابة والشلالات الصغيرة التى تنساب من بين الصخور مشكلة منظراً طبيعياً بديعاً يسحر زائرى هذه المنطقة التى تعد من أجمل المناطق السياحية والأثرية فى سورية و العالم.

ويقع فى هذه المنطقة وعلى بعد كيلومتر فقط من بداية وادى الهرير أحد روافد وادى اليرموك تل الأشعرى الاثرى الشهير بكنوزه الأثرية التى تعود لحضارات و فترات زمنية موغلة فى القدم و يبلغ طول التل نحو400 متر و عرضه 200 متر و ارتفاعه مابين 20 و 25 متراً حيث يروى أن هذا التل كان عبارة عن دير يتالف من ثلاث طبقات يحتوى على مابين 300و 400 غرفة و هو محصن بشكل جيد من احدى جهاته بالوادى الذى يبلغ عمقه نحو 300 متر و من الجهات الاخرى بحجارة متدرجة ضخمة مرصوفة تعجز اعتى الجيوش عن اختراقها.

ويشير المهندس حسين مشهداوى رئيس دائرة آثار درعا إلى أن المكتشفات الأثرية التى تم العثور عليها فى التل اثناء أعمال التنقيب التى نفذتها البعثات الوطنية خلال مواسم التنقيب التى امتدت من العام 1943 و حتى اليوم مثل القواطع والنصال و رؤوس السهام الحجرية التى تعود إلى العصور الحجرية القت الضوء على فترة مهمة من فترات تاريخ هذه المنطقة و قدمت معلومات وافية لواقع عصور ماقبل التاريخ فى جنوب سورية كما أكدت اللقى الاثرية التى عثر عليها فى المغارات الواقعة فى الجانب الغربى من التل بداية السكن البشرى المبكر لهذه المنطقة و قيام مستوطنة بشرية عريقة تعود لأكثر من عشرة آلاف عام على الأقل.

وأضاف مشهداوى أن لفترات فجر التاريخ و عصر البرونز وجود فى هذا التل ودل على ذلك النماذج الفخارية المتناثرة فى محيط التل و التحصينات و الأسوار ولاسيما تلك القائمة فى الزاوية الجنوبية الغربية و التى تتطابق مع بعض المدن كمملكة ايبلا تل مرديخ والتى تعود إلى فترة البرونز الوسيط مابين عامى 1600/1200 قبل الميلاد.

ويقول الباحث الاثرى الدكتور على أبو عساف إن تل الاشعرى كان مملكة هامة منذ الألف الثانى قبل الميلاد وعرف باسم عارونة وأن أسمها تغير إلى خلونى دون معرفة الأسباب.

وتوصل الباحث عساف إلى هذه النتيجة من خلال تتبعة لمسيرة الجيش المصرى من امتان فى السويداء إلى عشترة فى حوران على فرض ان الجيش المصرى سار من أمتان إلى موشيخا ومنها توجه إلى فانو ثم إلى عيرونة ثم إلى عشترة حيث يعتقد أن الأشعرى هى عارونة وتل شهاب هى ربما فانو الكنعانية.

ويقول رئيس دائرة آثار درعا إن مدينة الأشعرى كانت موجودة أيضاً فى فترة عصر الحديد الذى يبدا من العام 1200 قبل الميلاد و يدل على ذلك وجود الأسوار الضخمة القائمة حتى الان والتى كانت تشكل خطاً دفاعياًَ للمدينة مشيراً إلى أنه فى آواخر الألف الأول قبل الميلاد قامت فى مدينة الأشعرى حضارة عربية هامة ودل على ذلك الوثائق التاريخية التى أشارت إلى أن هذه المدينة كانت تحمل اسم ديا أو ديون أو ديابولس باللغة الرومانية.

كما ورد ذكر هذه المدينة فى معرض الحديث عن حروب القائد الرومانى اسكندر ياناوس مع العرب الأنباط خلال الفترة مابين 103 و 76 قبل الميلاد وان هذه المدينة كانت من حلف المدن العشرة الديكابوليس وهو حلف عسكرى يهدف إلى وقوف هذه المدن إلى جانب بعضها فى حال تعرضها لخطر خارجى و كانت ديون جبهتها الغربية وضمت اليها عدة مدن منها اتارعا- درعا و جدارا- أم قيس و كناثا- قنوات.

ولفت إلى أنه يوجد فى مناطق كثيرة من التل شواهد للحضارة النبطية و أن المدينة وصلت خلال الفترتين الرومانية و البيزنطية إلى مراحل متطورة لكثرة الدلائل واللقى الفنية و المعمارية التى تم العثور عليها و تعود لتلك الفترة و المتمثلة ببقايا الابنية و النماذج الفخارية و القطع النقدية المتنوعة.

و تورد المصادر التاريخية أن تل الاشعرى ضم آثاراً لمعركة بحرية و أن فيه تمثالاً للالهة ايزيس مرفوعة على نية الأمبراطور تيتوس وأن مدينة الأشعرى هى مدينة مقدونية أصلاً و أحدى 70 مدينة أسسها اليونانيون لنشر الفكر و الثقافة اليونانية و يؤكد ذلك وجود نقود مسكوكة فى هذه المدن تمجد الاسكندر مثل جرش و بيت راس و توحى بان القائد الاسكندر بردكاس كان مؤسساً لها وهو الذى أخمد ثورة أهل جلعاد و أسس مستعمرة هناك لضبط البلاد.

وأشارت المصادر إلى أن السكن الإنسانى فى منطقة الأشعرى ظل مستمراً و أنها أخذت اسمها من القائد الإسلامى أبو موسى الأشعرى و لم تنقطع الحياة فى هذه المدينة بدليل وجود أبنية سكنية وإدارية تعود لمختلف الفترات الإسلامية كالحمامات والأفران والمعابر والنماذج الفخارية الأيوبية والسلجوقية والمملوكية والعثمانية وهذا ما يؤكد أهمية هذه المدينة التى يضاف إلى ماتقدم خصوبة تربتها وكثرة ينابيعها ووفرة المياه فيها وإطلالتها الجميلة على وادى اليرموك.

وبين أن مدينة الأشعرى كانت قد بنيت على حافة وادى الهرير العميق بشكل يوازى الانحناء الطبيعى من الجنوب باتجاه الغرب و الذى يبدا من الإنهدام الطبيعى القائم إلى الشمال حيث يزداد عمق الوادى بشكل مفاجىء الأمر الذى وفر لأهالى المدينة جهة محصنة بشكل طبيعى من جهة الغرب ولذلك تركزت أعمال التحصين على الجهات الثلاث الاخرى فتم بناء أسوار متدرجة مؤلفة من كتل حجرية ضخمة.

وزودت هذه الأسوار بأبراج للدفاع والمراقبة موزعة فى محيط المدينة بشكل منتظم شكلها مربع و يمكن من خلالها مراقبة مناطق شاسعة من الاتجاهات كافة و يمكن من الجهة الشمالية رؤية مسافة لاتقل عن 50 كم بشكل مريح و ذلك لانبساط الارض فيما يصل مدى الرؤية من باقى الجهات الى حوالى 5 كم فمن الجهة الشرقية يمكن رؤءية مدينة طفس و من الجنوبية مدينة المزيريب كما يمكن من الجهة الغربية متابعة تحرك أى شيء على امتداد وادى الهرير و مايشمله من مواقع و للمدينة مدخلان رئيسيان الأول فى الزاوية الجنوبية الشرقية و الثانى يقع الى الغرب منه أى فى الزاوية الجنوبية الغربية و يقوم فى الجهة الشرقية من التل و على مسافة تقدر بحوالي50 متراً حمام إسلامى فى غاية الجمال و الأهمية تم إزالته فى فترة قديمة مجهولة وجمعت عناصره و مكوناته ووضعت على شكل سور ضخم.

ويشاهد الزائر لهذا المكان و حتى يومنا هذا الكثير من مفرداته كالأحواض والأقنية الحجرية و يقع إلى الشرق منه بعدة أمتار مقبرة قديمة على طرف سيل ماء و قد تعرضت هذه المقبرة للحفر السرى فى فترات قديمة كما توجد على سطح التل و فى وسطه باتجاه الشمال قليلاً مقبرة اخرى تعرضت هى الاخرى للحفر والتخريب.

وقد شهدت منطقة الأشعرى و لاسيما تلها اعمال تنقيب على عدة مراحل نفذتها بعثات وطنية مختلفة بدات فى العام 1943 و عثر خلالها على العديد من اللقى والمكتشفات الاثرية الهامة و شملت المكتشفات أقراطاً ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة تعود إلى العصر الهيلينستى والرومانى أى إلى الفترة مابين القرن الثانى قبل الميلاد و حتى القرن الثالث مابعد الميلاد وهى موجودة حالياً فى قسم الحلى فى المتحف الوطنى بدمشق.


كما عثر فى المرحلة الثانية من أعمال التنقيب التى بدات فى للعام 1992 على مدافن كنعانية محفورة بالصخر و عثر داخلها على قدور و أوان وأباريق وزبادى و دوارق فخارية من مختلف الاشكال و الأحجام و على حراب و قواطع نحاسية على شكل بلطات مقوسة و نبال نحاسية كما عثر فى المرحلة الثالثة من أعمال التنقيب التى بدأت فى العام 1998 و شارك فيها عدد من طلاب كلية الآثار بجامعة دمشق على مجموعة غرف ذات أبعاد مختلفة تفتح بعضها على بعض طليت جدرانها الداخلية بطبقة من الكلس الابيض و تعود هذه الغرف إلى المرحلة الإسلامية المبكرة و تم العثور فى داخلها على خاتم مسطح مصنوع من اللازورد الأزرق مثقوب فى الجزء الأعلى منه عليه أسدان واثبان يتوسطهما رجل واقف يرتدى رداء طويلاًَ يغطى رجله اليمنى أما الرجل اليسرى فبقيت مكشوفة ولم يعرف تاريخه و يعتقد أنه من عصر البرونز الحديث 1600/1200 قبل الميلاد وعثر أيضاً على دولاب لتصنيع الأوانى الفخارية وعلى مجموعة مصنوعات عاجية منها مشط مزخرف بطريقة الحفر على شكل دوائر صغيرة وعلى ملعقة متوسطة الحجم ومسلة خياطة ونماذج فخارية من النوع المشوى و المزجج تعود للفترة المملوكية.

كما عثر خلال موسم التنقيب السابع الذى نفذته دائرة آثار درعا فى الموقع على مجموعة من الابنية و الاقنية الفخارية و على مجموعة كبيرة من اللقى الفخارية شملت أباريق و صحوناً وأسرجة و بعض اللقى المعدنية و البرونزية و اجزاء من اعمدة و غيرها الكثير و قد تم تصوير اللقى و المكتشفات و توثيقها اصولاً.

يشار إلى أن محافظة درعا و الجهات المعنية فى المحافظة تولى هذه المنطقة اهمية كبرى نظرا لغناها بمصادر المياه و لتميز موقعها و اطلالته الجميلة على وادى اليرموك و تسعى الى جذب الاسثمارات السياحية لهذه المنطقة من خلال طرح مشروعات سياحية مهمة.
-درعا- سلطان الجاعوني



المصدر : مجلة الآثار
الكاتب : العرب اون لاين