شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : لطف التوحيد


جمانة كتبي
05-29-2012, 02:18 AM
~ لُطَـــف التــوحيــد ~

http://platform.ak.fbcdn.net/www/app_full_proxy.php?app=4949752878&v=1&size=o&cksum=c92ee557162c04cd84eeb899bbc4ce0c&src=http%3A%2F%2Fwww.allah.org%2Fallah.jpg" alt=""/>



التوحيد ألطف شيء وأنزهه وأنظفه وأصفاه ؛ فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه . فهو كأبيض ثوبٍ يكون يؤثر فيه أدنى أثر ، وكالمرآة الصافية جدًا أدنى شيء يؤثر فيها . ولهذا تشوِّشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية . فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضدِّه ، وإلا استحكم وصار طبعًا يتعسَّر عليه قلعه .

وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه : منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال ، ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ، ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال ، ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال .

ولكن من الناس مَن يكون توحيده كبيرًا عظيمًا ، ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ، ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ ، فيغترُّ به صاحب التوحيد الذي هو دونه ، فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده ، فيظهر من تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير .

وأيضًا ، فإن المحل الصافي جدًا يظهر لصاحبه مما يدنِّسه ما لا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه ، فيتداركه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به .

وأيضًا ، فإن قوة الإيمان والتوحيد ، إذا كانت قوية جدًا أحالت المواد الرديئة وقهرتها ، بخلاف القوة الضعيفة .

وأيضًا ، فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئة ، ليسامح بما لا يسامح به مَن أتى مثلَ تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن ، كما قيل :
وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ .... جاءت محاسِنُه بألفِ شفيعِ

وأيضًا ، فإن صدق الطلب ، وقوة الإرادة ، وكمال الانقياد ، يُحيل تلك العوارض والغواشيَ الغريبة إلى مقتضاه وموجبه . كما أن الكذب ، وفساد القصد ، وضعف الانقياد ، يُحيل الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجبه ، كما يشاهد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالَتِها لصالح الأغذية إلى طبعها .






المصدر : كتاب [ الـفـوائـد | للإمام ابن قيِّم الجوزية ] المكتبة العصرية ببيروت – 1432هـ .