شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : عجائب الدنيا السبع صور... ملكة البحار وأم المدن الفينيقية لبنان


فراس كتبي
02-07-2011, 05:46 PM
عجائب الدنيا السبع صور... ملكة البحار وأم المدن الفينيقية /لبنان





يتميز لبنان بالعديد من المظاهر الحضارية والتراثية، تلك التي يقصدها السائحون، في رحلاتهم المنظمة إليه، هذه المظاهر موجودة منذ سنوات طويلة مضت، وتشير إلى المكانة التاريخية للبنان عبر عصور طويلة مضت.
ورغم ان لبنان عرف من خلال تاريخه الحديث، والذي تبدو فيه الثقافة والفن أكثر حضورا، بالاضافة إلى الأحداث التاريخية المتعاقبة، تلك التي مازال لبنان يعيش تحت وطأتها.
وبعيدا عن الأحداث السياسية سنأخذ القارئ الكريم في رحلة تاريخية عبر آثار ومشاهد وأبنية ومغارات لبنان كي يتعرف على الوجه التاريخي الاخر من هذا البلد، وذلك عبر فصول «عجائب لبنان السبع».


مهما قيل في تاريخ مدينة صور، فهو قليل. هذه الحاضرة العظيمة هي ملكة البحار. كانت في كل الادوار أهم المدن الفينيقية على الاطلاق. انها ام المدن وبطلتها، وسيدة البحار، ومركز العالم التجاري لقرون عدة. كانت تفوق كل المدن بقوة ابراجها واسوارها, وتمتاز عن كل مدن فينيقيا بجمالها. الكلام عنها ما له نهاية، أما ثراؤها الذي ذاع صيته، فقد جمعته من مستعمراتها التي انتشرت في كل أنحاء المتوسط، فيما حصدت شهرتها من صناعة الأرجوان والزجاج الشفّاف، فكانت قبلة أطماع كبار الفاتحين، من أمثال الملك البابلي نبوخذنصّر، والمقدوني الإسكندر الكبير، المعروف بذي القرنين.
مواقع أثرية
منذ نحو خمسين سنة ومديرية الآثار اللبنانية تقوم بحملات تنقيب واسعة في نطاق المدينة الفينيقية وفي محيطها بحثاً عن آثار المدينة وتاريخها، مركزة نشاطاتها على ثلاثة قطاعات من المدينة القديمة والوسيطة. وبنتيجة تلك التنقيبات وما أسفرت عنه من نتائج مهمّة، قامت منظمة «يونسكو» في العام 1979 بإدراج صور على لائحة مواقع التراث العالمي.
ثلاثة قطاعات
يحتل القطاع الأول جزءاً من الموقع الذي كانت تقوم عليه في ما مضى المدينة البحرية، ويشتمل على مجمّعات واسعة من الأحياء السكنيّة والحمامات العامة والمجمّعات الرياضية والشوارع ذات الأروقة وذات الأرضية المرصوفة بالفسيفساء. وتعود تلك المنشآت بمجملها إلى العصور الرومانية والبيزنطية، ناهيك ببعض بقايا أرصفة المرفأ الفينيقي الجنوبي، أو المرفأ المصري، التي ما تزال منتشرة قرب الشاطئ.
ويقع القطاع الثاني إلى الغرب من القطاع الأول وعلى بعد نحو خمس دقائق منه، ويتمحور على بقايا كاتدرائية صور الصليبية التي استخدمت في عمارتها أعمدة من الغرانيت الأحمر وأحجار تم استخراجها في حينه من المنشآت الرومانية. وتنتشر حول الكنيسة، وعلى مستويات أدنى منها، شبكة من الطرق والمساكن التي تعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية.
ومركز القطاع الثالث على بعد نحو ثلاثين دقيقة إلى الشرق من القطاعين السابقين، ويتألف من شارع رئيسي يتجه من الشرق إلى الغرب ويصل المدينة بضاحيتها الشرقية. وقد أقيم هذا الشارع في العصر الروماني، وجرى ترميمه في العصر البيزنطي، في وسط البرزخ الذي أنشأه الاسكندر الكبير. وتحيط بجانبي هذا الشارع الأروقة، ويقطعه قوس نصر عظيم ذي ثلاثة مداخل، وتجري على جانبه الجنوبي قناة معلّقة على قناطر كانت معدّة لجر مياه نبع رأس العين إلى المدينة.
وعلى جانبي الشارع تمتدّ جبّانة واسعة تتداخل فيها العمائر الجنائزية والتوابيت الرخامية والكلسية والبازالتيّة ذات الأشكال والزخارف والمنحوتات المختلفة. وقد دامت فترة استخدام هذه الجبّانة من القرن الثاني إلى القرن السادس ب. م.
وإلى الجهة الجنوبية من الجبّانة، يقوم ميدان سباق عربات الخيل الذي تم ترميم بعض أجزائه. ويبلغ طول هذا الميدان 480 متراً وكان يتسع لنحو 20 ألف مشاهد كانوا يراهنون فيه على المتبارين، وقد كان على هؤلاء أن يدوروا بعرباتهم سبع مرات حول الشوكة التي تتوسطه.
الأسواق القديمة
في أسواق صور القديمة، يرتفع خان من العهد العثماني، ومنزل قديم وجميل من العصر عينه تملكه إحدى أسر صور العريقة من آل المملوك، وهو منزل تُع.د المديرية العامة للآثار العدة لترميمه، بالإضافة إلى مسجد الطائفة الشيعية ذي القبتين والعمارة الرائعة.
وعلى مقربة من السوق، يعجّ مرفأ الصيد القديم بالحياة، وقد حلّ محلّ المرفأ الفينيقي الشمالي، الذي كان يُعرف بسبب موقعه بالمرفأ الصيدوني.
ويقود الطريق اللازم للرصيف إلى الحي المسيحي الذي ما يزال يحتفظ بأزقته وأبنيته ذات النمط التقليدي. ويقع برج مراقبة من العهد الصليبي في أحد البساتين، فيما يقوم برج آخر من العصر عينه على مقربة من المنارة، يشهدان على أهمية صور في تلك الأيام.
صور المعاصرة وجوارها
تزخر المدينة العريقة بعدد من المطاعم التي تقدم أشهى ثمار البحر، بالإضافة إلى المطاعم التي تقدم الأطباق المحلية والمقاهي المنتشرة على طول أرصفة المرفأ. وتفتح المواقع الأثرية أبوابها طوال أيام الاسبوع.
لصور جيران من مواقع مهمة مثل محلة رأس العين التي تبعد 6 كيلومترات إلى الجنوب من المدينة، حيث يقع مصدر المياه الرئيسي الذي كان منذ العصور الفينيقية وما يزال يغذي صور. فقد كان يتم تخزين مياه الآبار الارتوازية في خزانات حجرية مازالت تقاوم أذى الأيام.
وعلى بعد 6 كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من صور، يوجد ناووس حجري ضخم من العصر الفارسي، يقوم على بضع درجات حجرية. وتروي التقاليد المحلية أنه قبر حيرام، المعمار الفينيقي الشهير، الذي وضع تصميم هيكل سليمان.
لمحة تاريخية
يعود تأسيس صور إلى بدايات الألف الثالث ق.م. ففي تلك المرحلة كانت صور تتألف من قرية مزدوجة أقيم قسم منها على الشاطئ، فيما أقيم القسم الآخر على مجموعة من الجزر الصخرية المنتشرة قبالته. أما عصر صور الذهبي، فلم تبلغه إلا في غضون الألف الأول ق.م.
ففي بدايات تلك الحقبة، في حوالي القرن العاشر ق.م، قام ملكها حيرام بإنجاز عدد من المشاريع العمراني، فوصل الجزر بعضها ببعض، وردم جزءً من البحر بهدف توسيع رقعة المدينة الساحلية. ثم ما لبثت المدينة أن تجاوزت حدودها الضيقة بفضل إقدام تجّارها وبحّارتها الذين جابوا البحر المتوسط ووصلوا إلى سواحل الأطلسي، وأسسوا لهم المستعمرات والمحطات التجارية، ومن بينها قرطاجة على الشاطئ التونسي، التي أنشأوها في حوالي العام 815 ق.م
كانت تلك الحقبة تمثل عصر صور الذهبي، فازدهرت وأثرت بفضل منتوجات مستعمراتها كما بفضل صناعاتها المحلية، التي من بينها صناعة الزجاج الشفّاف وصناعة الأرجوان. بيد أن التجار الصوريين لم يكتفوا بنشر بضائعهم وسلعهم، بل تخطوها إلى نشر حضارتهم. واليهم يعود الفضل في إيصال الأبجدية الفينيقية إلى الإغريق الذين حفظوا لهم الجميل من خلال تدوين أخبار قدموس ابن ملك صور الذي لقنهم الأبجدية وأخبار أوروبا شقيقته التي تركت اسمها على القارة المعروفة باسمها.
وإلى تلك الفترة الزاهرة في تاريخ صور تعود الجرار الجنائزية والأنصاب والمجوهرات المختلفة التي تم العثور عليها 1991 في جبّانة المدينة الفينيقية، والتي أودعت في خزائن مصرف لبنان، بانتظار عرضها في أروقة المتحف الوطني.
بيد أن ازدهار صور لم يلبث أن جلب لها المتاعب، ففي القرن السادس ق.م.، حاول الملك البابلي نبوخذنصر احتلال المدينة، غير أن أسوارها المنيعة منعته من ذلك، فحاصرها مدة ثلاث عشرة سنة. غير أن ما عصي على البابليين لم يوقف الزحف المقدوني. ففي العام 332 ق.م. قام الاسكندر الكبير بمحاصرة صور مدة سبعة أشهر بسبب عدم خضوعها له على غرار المدن الفينيقية الأخرى. ولمّا كان المقدوني يرغب في احتلال مصر ولم يكن باستطاعته، من الناحية الاستراتيجية، أن يترك خلفه مدينة مقاومة، تملك واحداً من أعظم المرافئ الحربية العاملة لصالح الفرس، تهدد مشروعه من خلال قطع الإمدادات البحرية والبرية عن جيوشه، فقد عمد إلى تدمير المدينة البرية وردم المضيق الذي يفصلها عن جزئها البحري، ليُنشئ بذلك برزخاً يمكن جيوشه من الوصول إليه براً واحتلاله. ويُروى أن غيظ الإسكندر أمام المقاومة الصوريّة وأمام الخسائر التي تكبدها دفع بالمقدوني إلى تدمير نصف المدينة البحرية وقتل رجالها وسبي نسائها وأطفالها.
بعد مضي نحو ثلاثة قرون على ذلك الحدث خضعت صور للسيطرة الرومانية، على غرار سائر المدن الفينيقية. غير أنها تمكنت في تلك الأيام من الاحتفاظ بشيء من الإدارة الذاتية، لا سيما بحق سك العملة الفضية والبرونزية. وأقيم فيها في العصر الروماني عدد من المنشآت المهمة، كقناة المياه المعلّقة وقوس النصر وميدان سباق عربات الخيل، الذي يُعتبر من أكبر ميادين العالم الروماني.
وعرفت صور الديانة المسيحية في وقت مكبر، وهي التي يرد اسمها مراراً في نصوص العهد الجديد. وفي العصر البيزنطي عرفت صور فترة من الازدهار، تشهد عليها آثار أبنيتها ومدافنها وكتاباتها، وقد كان لأسقفها مركز الرئاسة بين اسقفيات المدن الفينيقية.
وفي العام 634 دخلت جيوش المسلمين المدينة من دون أي مقاومة تُذكر، فتابعت مسيرة ازدهارها في ظل الخلفاء الأمويين والعباسيين، فازدانت بُسبل الماء وامتلأت أسواقها بأصناف البضائع من السجّاد إلى الحلى الذهبية والفضية ونشطت فيها تجارة السكّر والمصنوعات الزجاجية. غير أن ضعف الخلافة العباسية ووصول الفاطميين إلى الحكم في مصر وسيطرتهم الفعليّة على مدن الساحل مكّن المدينة من بلوغ شيء من الاستقلال الذاتي في ظل حكم قضاتها من أسرة بني عقيل.
وكان من شأن أسوار صور المنيعة أن يؤخّر سقوطها في أيدي الصليبيين الذين لم يتمكنوا من احتلالها إلا في العام 1124 أي بعد عشر سنوات من سقوط آخر مدينة ساحليّة في قبضتهم. وظلّت المدينة تحت السيطرة الصليبية حتى العام 1291 حين استولى عليها المماليك. وفي بدايات القرن السادس عشر، دخلت صور، كسائر مدن المنطقة في فلك الدولة العثمانية، وبقيت على هذه الحال
إلى أن أصبحت جزءاً من دولة لبنان الكبير غداة الحرب العالمية الأولى.




المصدر : مجلة الآثار
الكاتب : الرأي