شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما


ثروت كتبي
01-22-2011, 09:39 PM
الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما


الكتاب جمعه كتاتيب ، وهو موضع تعليم القراءة والكتابة ، وهو من المؤسسات التعليمية الهامة التي وجدت في المجتمع الإسلامي لتثقيف الصغار ، وتربيتهم التربية الإسلامية الجيدة .
ويرى البلاذري أن الكتاب كان معروفا قبل ظهور الإسلام ، بدليل أنه كان في مكة عدد لا بأس به ممن يعرفون القراءة والكتابة ، نظراً لأغراض التجارة ونحوها . ويذكر أيضاً أن عدد القرشيين الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة عند ظهور الإسلام بلغ عددهم سبعة عشر رجلاً ، وهذا يدل على وجود أماكن لتعليم القراءة والكتابة في مكة قبل ظهور الإسلام .
على أن الأستاذ عبد الرحمن صالح عبد الله يرد على ذلك بقوله : "والواقع أن هذا الاستنتاج غير طبيعى ، فالقرشيون كانوا على اتصال بالأمم المجاورة لاشتغالهم بالتجارة ، فهناك احتمال كبير بأنهم أخذوا القراءة والكتابة عمن اتصلوا بهم .
والحقيقة أن أماكن تعليم القراءة والكتابة كانت موجودة قبل الإسلام ، سواء في مكة أو غيرها ، وربما كانت لها أسماء غير اسم الكتاب ، وكان الهدف من وجودها هو تعليم القراءة والكتابة فقط ، ذلك لأن الأساتذة الذين كانوا يقومون بمهمة التدريس في هذه الكتاتيب لم يكونوا قد دخلوا الإسلام .
كما يجب ألا ننسى مكانة مكة المكرمة الثقافية في تلك الفترة ، فهى محط الشعراء والأدباء والعلماء وحولها كانت تقام أسواق العرب الكبرى ، والتي يفد إليها فطاحل الشعراء والأدباء للمنافسة بقصائدهم ، وكتب الأدب العربي مليئة بتلك القصائد .
لكن عندما ظهر الإسلام ، تأثر التعليم بالروح الإسلامية العظيمة ، ووجدت أماكن جديدة للتعليم والتثقيف تتمشى مع تعاليم الدين الإسلامي هي : المسجد الذي كانت تعقد فيه حلقات العلم للصغار والكبار ، وقد طبعها الإسلام بالروح الإسلامية ، فأنتشرت المساجد ، وانتشرت معها الكتاتيب في كل مدينة أو قرية ، وذلك لرفع المستوى الثقافي لأبناء الأمة الإسلامية .
كذلك تم تنظيم الكتاتيب ووضع برامج تعليمية لها ، تركزت في تعليم القرآن الكريم تلاوة وحفظاً ، والقراءة والكتابة والحساب . ولم يعد المنزل هو المكان الوحيد لتلقى التعليم ، ولكنه امتد أيضاً إلى المسجد ، حيث أصبحت كثير من الكتاتيب تحتل بعض زوايا المساجد . ويرجع اهتمام الناس بالتعليم ودراسة القرآن الكريم إلى العوامل الرئيسية التالية :
1. إن الدين الإسلامي يحث على القراءة والكتابة ، فلقد جاء الإسلام ونزلت أول آيات القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيها حث على التعليم قال تعالى : {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ 1 خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ 2 اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ 3 الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ 4 عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ، [العلق : 1-5] .
ثم نوه القرآن الكريم في آيات كثيرة بأهمية العلم وطلبه ومنزلة العلماء الرفيعة .
قال تعالى : {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } ، [الزمر : 9] .
وقال تعالى : {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } ، [المجادلة : 11] .
وقال سبحانه : {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } ، [طه : 114] .
وقال تعالى : {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } ، [العنكبوت : 43] .
وورد في الحديث الشـريف أيضاً حث للناس على طلب العلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" ، رواه أنس بن مالك ، وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وقال : حسن .
كذلك فإن الإسلام كان حريصاً على نشر العلم والمعرفة ، ولم يفرق في ذلك بين ذكر وأنثى ، بل جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم اللغات الأجنبية التي كانت سائدة في ذلك العصر ، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت كاتب الوحي في السنة الرابعة من الهجرة بتعلم العبرية لغة اليهود ، وقال له : "تعلم كتاب اليهود فإني والله ما أمن اليهود على كتاب" وفي رواية أخرى : "أنه يأتيني كتب من ناس لا أحب أن يقرأها أحد ، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية؟ فقال نعم" .
وعن زيد بن ثابت : "أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أمره أن يتعلم كتاب اليهود ، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه ، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا اليه" ، رواه البخاري في صحيه في كتاب الأحكام .
وبذلك نجد أن الإسلام قد أطلق عقول المسلمين ، وحثهم على التعليم والتفكير والتدبر في ملكوت الأرض والسموات .
ومن الإجراءات التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم لرفع مستوى التعليم بين المسلمين في صدر الإسلام ، أن جعل فدية الأسير المتعلم من الكفار مقابل فك أسره بعد غزوة بدر ، هو أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين الأميين القراءة والكتابة .
2. اتساع رقعة الدولة الإسلامية قد أدى إلى انشاء الدواوين ، وتعدد اختصاصاتها رغبة من الدولة الإسلامية في تنظيم إدارة الدولة على أسس سليمة ، فكان لزاماً على كل من أراد الالتحاق بخدمة الدولة أن يكون ملما بالقراءة والكتابة والحساب . وبذلك سارع الناس للتزود بالعلم النافع الذي يخدمهم في دينهم ودنياهم .
ويذكر أن أول من جمع الأولاد في الكتاب في الإسلام هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأمر عامر بن عبد الله الخزاعي أن يلازمهم للتعليم ، وجعل رزقه من بيت المال ، وكان منهم البليد والفهيم ، فأمره أن يكتب للبليد في اللوح ، ويلقن الفهيم من غير كتابة ، وكان عمر رضي الله عنه يشهدهم على الأمور التي يخاف عليها الانقطاع بطول الزمان كالنسب والجنس والولاء ، فسأله الأولاد التخفيف ، فأمر المعلم بالجلوس بعد صلاة الصبح إلى الضحى العالى ، ومن صلاة الظهر إلى صلاة العصر ، ويستريحون بقية النهار إلى أن خرج إلى الشام عام فتحها ، فمكث شهراً . ثم إنه رجع إلى المدينة المنورة وقد استوحش الناس منه ، فخرجوا للقائه ، فتلقاه الصغار على مسيرة يوم ، وكان ذلك يوم الخميس ، فباتوا معه ، ورجع بهم يوم الجمعة ، فتعبوا في خروجهم فشرع لهم الاستراحة في اليومين المذكورين ، فصار ذلك سنة ، ودعا بالخير لمن أحيا هذه السنة ودعا بضيف الرزق لمن أماتها .
وقد استمر التعليم في الكتاتيب على النحو الذى نشأ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وفي عهد الدولة الأموية ظهر عدد من المعلمين الموهوبين الذين لمعوا في المجتمع الإسلامي ، ومن أشهرهم : الضحاك بن مزاحم (ت 105هـ) ، الكميت بن يزيد (ت 126هـ) ، وعبد الحميد الكاتب (ت 132هـ) ومن أشهر من كتبوا عن الكتاتيب إخوان الصفا ، والغزالي ، وابن جماعة ، وابن خلدون ، ونصر الدين الطوسي ، وابن حجر الهيثمي ، وقد جمع الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار هذه الكتابات لإخوان الصفا وغيرهم ، وقام بتحقيقها ووضعها في كتاب سماه "آداب المعلمين" ويعتبر هذا الكتاب من أحسن الكتب التي كتبت عن طرق التعليم في الكتاتيب وغيرها . وأتي بعد إخوان الصفاء القابسي ، والذي ألف كتاباً في تعليم الصبيان سماه "التعليم في رأي القابسي" وهناك تب ورسائل ألفت في هذا الموضوع لا يسمح المجال لذكرها .
وقد أخذت الكتاتيب في الانتشار في جميع المناطق الإسلامية ، واشتملت الدراسة فيها على تعليم الطالب القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً ، وبعض الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية ، ومبادىء الحساب .. إلى جانب تعليم القراءة والكتابة وحسن الخط .
والكتاتيب في مكة المكرمة خلال فترة الفترة من 1295هـ إلى 1373هـ الموافق 1878م إلى 1953م ، جاء في أول تقرير رسمي للحكومة العثمانية عن ولاية الحجاز ، والذي صدر في عام 1301هـ أنه كان بمكة المكرمة في عام 1301هـ (الموافق 1883-1884م) ثلاثة وثلاثون كتاباً بها (1150) طالباً وكانت موزعة في جزيع أنحاء مكة المكرمة على النحو التالي :
سوق الليل عدد 4 كتاتيب ، القرارة عدد 5 كتاتيب ، القشاشية عدد 3 كتاتيب ، شعب عدد عدد 5 كتاتيب ، النقا عدد 1 كتاب ، السليمانية عدد 1 كتاب ، المسفلة وجياد عدد 1 كتاب ، الشبيكة عدد 4 كتاتيب ، حارة الباب عدد 3 كتاتيب ، الشامية عدد 6 كتاتيب ، يصبح المجموع الكلي للكتاتيب التي في مكة المكرمة 33 كتاباً .
ويظهر أن هذا العدد من الكتاتيب قد أخذ في الازدياد المستمر عاماً بعد آخر ، ففي عام 1309هـ الموافق 1891-1892م ، جاء في التقرير الرسمي للحكومة العثمانية أن عدد الكتاتيب بمكة المكرمة قد بلغ 43 كتاباً ، وهذا يعكس لنا مدى اهتمام الأهالي بمكة بالتعليم .
وقد أكد القنصل البريطاني في جدة في تقريره الذي كتبه عن ولاية الحجاز في عام 1889م الموافق 1306هـ اهتمام أهالي مكة المكرمة بالتعليم ، وأن الكتاتيب الخاصة التي تقوم بتأسيسها الطبقة المثقفة في هذه المنطقة ، تجد إقبالاً شديداً من أبناء مكة وغيرها من المدن في منطقة الحجاز .
ويبدو أن عدد الكتاتيب في مدينة مكة ، استمر في الازدياد البطىء ، كما أن بعض تلك الكتاتيب قد اختفى ، وظهرت كتاتيب أخرى غيرها ، وذلك خلال الفترة التي نحن بصدد دراستها ، وهي الفترة الواقعة بين عام 1295هـ وعام 1373هـ .

والذي يهمنا هنا أن نذكر بعض أسماء هذه الكتاتيب ، وأسماء مؤسسيها والأحياء التي وجدت بها ، وعدد الطلاب أو الطالبات ، والمواد التي تدرس بها ما أمكن ذلك بحسب ما يتوفر لدينا من معلومات حولها ، وسوف نضع كل كتاب في موضوع مستقل حتى تعم الفائدة - بإذن الله تعالى – والكتاتيب التي سوف نذكرها في الحرمين الشريفين وما جاورها خلال الفترة من 1295هـ إلى 1373هـ الموافق 1878م إلى 1953م .

المرجع
الكتاتيب في الحرمين الشريفين وما حولهما ، د.عبد اللطيف عبد الله بن دهيش ، بتصريف