شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : وادي العقيق .. المدينة المنورة


سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:06 PM
وادي العقيق .. المدينة المنورة


لم سمي وادي بهذا الاسم ؟
عرض هذا السؤال على سلمان السعدي المتضلع في فقه اللسان العربي فكان جوابه للسائل : " لأنه عَقّ في الحرة " أي شق وقطع . وهناك قول بأن سبب هذه التسمية هو حمرة الوادي كحمرة العقيق : الحجر الكريم .

والتوجيه الذي أدلى به سليمان هو المقبول للنقط الآتية :

أولاً – ذكر ياقوت أن اسم العقيق شامل لكل مسيل ماء شقه السيل ، فأنهره ووسعه : ( معجم البلدان ج 6 ص 198 ) ( الطبعة الأولى بمصر ) .

ثانياً- ونص على أن ببلاد العرب أربعة أودية تسمى جميعاً بالعقيق .

ثالثاً – إن السمهودي حكى أن تُبعاً لما مر بالعقيق قال : " هذا عقيق الأرض " . وهذا بعد أن مر بالعرصة التي كانت تسمى بالسليل من العقيق نفسه ، فقال عنها : " هذه عرصة الأرض " . فكما أن معنى العرصة لغة : المكان المتسع الحالي – ولذا أطلقها تبع على السليل – فكذلك كان اطلاقه اسم العقيق على هذا الوادي ، لكونه شقاً في الأرض أحدثته السيول التي تجري فيه .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:09 PM
هواؤه وتربته

هواء هذا الوادي صاف منعش على الإطلاق . أما تربته فهي رملية تكتسي حمرة في الغالب . وأجمل بقاعه العرصتان : الصغرى والكبرى .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:11 PM
جهته بالنسبة للمدينة وطريقه ومسافة بعده عنها

يقع وادي العقيق غربي المدينة . ويشقه طريق مكة وأقرب الطرق من المدينة إليه : باب العنبرية – شمالي الخضر – المدرج – العقيق ويبعد عن المدينة من هذا الطريق نحو 30 دقيقة بالمشي المتوسط .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:13 PM
مصدره ومصبه

مصدره حضير : ( مزارع بقرب النقيع الواقع بجنوب المدينة ، على مسيرة يوم ونصف يوم منها ) ويُفضي إلى بئر عليّ العليا المعروفة بالخليقة ثم يمر بغربي جبل عير فذي الحليفة ثم يسير مشرقاً إلى أن يحاذي حرة الوبرة في قسمها الذي يطلع إلى المدينة ثم يعرج إلى الشمال ، ويتجاوز العرصتين ويفيض في زغابة ( مر وصفها ) .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:20 PM
قصوره ودوره

قال محمد بن عبد الله البكري قاضي المدينة ، وعمر بن عبد الله :

أين أهل العقيق ؟ أين قريش ؟ .... أين عبد العزيز ؟ وابن بكير
ولو أن الزمان خلج حياً .... كان فيه يخلد ابن الزبير

يشاهد الإنسان بعد أن يتجاوز طرف حرة الوبرة مصعداً ، ذاهباً إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة ، أو متوجهاً إلى العرصتين بالشمال – تدولاً متسلسلة على جانبي المسيل ... وتلك التلول هي آثار قصور العقيق ودوره القديمة ، وقد لا يسترعي الأنظار مرأى هذه التلول لأول وهلة إذ حسبها الناظر فيها بعض الكثبان الرملية المتكونة في أطراف الوادي تكوناً طبَعيّاً .. أما إذا دقق النظر فيها فإنه يتحقق أنها آثار القصور العقيقية العامرة الزاهرة ، بدت اليوم في هذا الشكل المزري بحكم تقادم العهد وفعل المرثرات الخارجية .

وإليك مواقع القصور والدور بالعقيق ، حسب ما حققته بعد المشاهدات في ذلك على ما روته أسفار التاريخ :

أ- القصور الواقعة بطرف حرة الوبرة إلى بئر رومة :
1- قصر عروة بن الزبير بقرب بئره .
2- قصر مراجل .
3- قصر سكينة بنت حسين المسمى بالزينبي .
4- قصور متتابعة لإسحاق بن أيوب .
5- قصور أخرى لبعض الأعيان .
6- قصور ابنة المرازقي الزهرية .
7 – منازل جعفر بن إبراهيم الجعفري .

ب - القصور التي في العرصة الكبرى الواقعة فيها بئر رومة :
1- قصر عبد الله بن عامر .
2- قصر مروان بن الحكم .

ج - القصور التي بالعرصة الصغرى :
1- قصر سعيد بن العاص ( هو الباقية أظلاله شاخصة دون سواه ) .
2- قصر عنبسة بن سعيد بن العاص .
3- القرائن : ( دور كانت لآل سعيد بن العاص قرب قصره ) " الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج 1 ص 6 " .

د - القصور التي تقع بسفح جماء عاقر أو ( عاقل ) :
1- قصور جعفر بن سليمان .

ه - القصور الكائنة بسفح جماء أم خالد :
1- قصر محمد بن عيسى الجعفري .
2- قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة .

و - القصور الواقعة بسفح جماء تضارع :
1- قصر طاهر بن يحيى .
2- منازل لعبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان .
3- قصر عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان .
4- قصر عنبسة بن عمرو بن عثمان بن عفان . ( وهو ابن بكير المذكور في البيتين السابقين ) .

ز - القصور الكائنة بسفح جبل عيسر :
1- قصر إسحاق بن أيوب المخزومي .
2- قصر لآل طلحة .
3- قصر إبراهيم بن هشام .
4- منازل لآل سفيان بن عاصم .

هذا بيان إجمالي لمواضع قصور العقيق .. أما تعيين موضع كل واحد منا بالتحقيق والتحديد والتاريخ ، وواقع آثار العقيق ، مما كلفنا جهداً فكرياً وحركياً حتى توصلنا إلى إيضاح مواقعها بالصفة المشروحة آنفاً .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:23 PM
بساتينه وآباره

لا عجب أن يكون أغلب أرض العقيق في سابع عهده معموراً بالبساتين الجميلة التي تسقى من السيل إذا جرى ، ومن الآبار إذا توقف .. فوجود الرياض فيه من مستلزمات حياة النعيم والترف التي كان يعيشها أهل المدينة في تلك الحبقة من الدهر . وهذا بيان ما اطلعت عليه من ذلك :
1- مزارع أبي هريرة قبيل المحرم : ( الميقات ) .
2- مزارع عروة بن الزبير قريباً من بئره المعروفة .
3- بساتين ابن بكير بقرب قصره الذي يقع بسفح جماء تضارع .
4- مزارع مروان بن الحكم بقرب قصره بالعرصة الكبرى .
5- بستان سعيد بن العاص بقرب قصره بالعرصة الصغرى .
6- مزارع الجرف التي منها " الزين " : مزرعة النبي صلى الله عليه وسلم على ما رواه ابن زبالة .
7- مزارع ثنية الشريد ( بعد ذي الحليفة ) .

أما اليوم فتوجد بالعقيق مزارع وبساتين متفرقه لا تكاد تذكر بالنسبة لاتساع رقعته وصلاح تربته .. وأهمها ما يقع بقرب ذي الحليفة شمالاً وجنوباً ، وتعرف بمزارع الأحساء لقرب الماء من ظاهر الأرض في تلك البقاع . كان ذلك القحول حين ألّف هذا الكتاب وطُبع في سنة 1353هـ وبعد ذلك بسنوات عديدة وأخيراً بدأ الانتعاش الزراعي والعمراني يسري في وادي العقيق فوجدت بأطرافه وفيه دور ، وظهرت فيه حدائق جديدة بعضها في أماكنه القديمة ، وبعضها في غيرها .. وجدير بالذكر أن من الحدائق التي بقيت في عهد اضمحلال العمران بالوادي حديقة بئر رومة التابعة للأوقاف بالمدينة ، وحديقة أم شجرة التي يملكها السيدان : عبيد وأمين مدني . وتاريخ هذه الحديقة ينبئ بأنها معروفة وعامرة قديماً .. وبجود ( الشري ) في مزارع العقيق .

وبالعرصتين والجرف حدائق أطيبها ماءً ( الربخية ) بالجُرف ، وأطيبها هواء سلطانة ، وأمتعها تنزهاً العنابس التي قال عنها السمهودي أنه يرجح أنها مزارع عنبسة بن سعيد صاحب القصر الذي احتفى بروعة بنائه في العقيق الصغير .

وكان بالعقيق عدد غير قليل من الآبار لا تزال آثار بعضها بادية ، ولكنها مطمورة . أما بئر رومة وبئر عروة فقد احتفظتا بحياتهما إلى اليوم لمزاياهما الخاصة على أنها قد انطمرتا في بعض الحقب الخالية وربما كان ذلك عدة مرات .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:26 PM
جماواته والآثار بها

هي ثلاث هضبات سود كبار قائمة بطرفالعقيق علىشفيره الغربي . وسميت جماوات لأنها دون الجبال أو تشبيهاً لها بالشاة الجماء أي التي لا قرون لها .

وأقربها إلى المدينة جماء تضارع وهي التي يشاهدها الإنسان عندما يهبط من المدرج إلى بئر عروة وبحذائها غرباً بشمال : جماء أم خالد فجماء العاقر التي تصب على العرصة الصغرى .

وعلى رأس جماء أم خالد كان عمر بن سليم الزرقي استكشف هو وزميل له قبراً قديماً ووجدا عنده حجرين مكتوبين لا تقرأ كتابتهما فحملاهما فلما ثقل أحدهما عليهما ألقيا به في الجماء نفسها .

ولا ندري أهو باق فيها ؟ أم نقل ؟ أم ماذا جرى له ؟ والبحث العلمي الدقيق يظهر الحقيقة إما إبجابياً وإما سلبياً .

سلسبيل كتبي
02-07-2011, 03:30 PM
فضائله وعمرانه وخرابه

في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أتاني الليلة آت فقال : صل في هذا الوادي المبارك " . وفي عرصته يقول عليه الصلاة والسلام : " نعم المنزل : العرصة لولا كثرة الهوام " .

أما تاريخ عمرانه فيبدأ من الوقت الذي أقطع فيه النبي العقيق كله لبلال بن الحارث المزني بموجب حجة نبوية نصها : " بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ، بلال ابن الحارث .. أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملاً وكتب معاوية " .. فلما لم يعمل بلال هذا شيئاً في العقيق أبقى لديه عمر بن الخطاب في زمن خلافته قسماً منه وانتزاع الباقي وأقطعه للناس .

وكان مستند عمر رضي الله عنه في هذا الصنيع أمرين :
الأول : ذلك الشرط الوارد في كتاب الإقطاع النبوي إذ إن بلالاً لم يعمل شيئاً في العقيق ، ولذا أصبح غير مالك له .
الثاني : شدة احتياج الناس إليه حينما كثر المسلمون في المدينة إذ كانت عاصمة الإسلام الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي زمن خلفائه الثلاثة : أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم .

ومن ذلك الوقت أنشئت بالعقيق البساتين والقصور تدريجياً ، فما كادت دولة بني أمية تسريح من القلاقل الداخلية حتى وجهت عنايتها إلى عمرانه ، فأصبح جنة سندسية خضراء .. زهورها القصور ، ونوارها الدور ، وأكمامها القطان والرواد ، وثمارها والحبور .

ثم ما كاد دور التوقف يبتدئ في هذه الدولة حتى ابتدأ دور اضمحلال عمران العقيق ، وازدهار ، فما هوت دولة بني أمية حتى ذوى العقيق ، ثم صار في خبر كان إلى الآن . ولا ندري هل تعود إليه نضارته ؟ ومتى ؟.

إذن فعمران العقيق الفعلي مقرون بحادثة تصرف عمر فيه . وإنها لمنقبة جليلة تضاف إلى سجل مناقبه ، وهي تبرهن لنا على نظراته الدينية والعمرانية والاجتماعية الثاقبة كما تدل على اهتماماته بازدهار العمران وتحقيق أسبابه وكراهة الحرب وبواعثه ، وتأثيل الحضارة الإسلامية التي تجمع بين الدين والدنيا .

فلو فرضنا أن عمر لم ينتزع العقيق من يد بلال ، وبقي ملكاً لورثته لكان من الجائز أن يظل قاحلاً وبذلك تخسر المدينة عمران ضاحية من أجمل ضواحيها وأقبلها للعمران .

المرجع :

عبد القدوس الأنصاري ، آثار المدينة المنورة ، الطبعة الثالثة ، 1393 هـ – 1973 م .