شبكة تراثيات الثقافية

المساعد الشخصي الرقمي

Advertisements

مشاهدة النسخة كاملة : البشكة في مكة المكرمة


ريمة مطهر
01-19-2012, 06:55 PM
البَشْكَة في مكة المكرمة

البشكة في العُرف المكي والحجازي بصفة عامة هي : النخبة من الجماعة أو الرهط ، أو العصبة من أصدقاء ورفقاء من أهل الحارة الواحدة أو الحارات المجاورة ، يجتمعون ويتحدون ويتحالفون فيما بينهم على التقدير والاحترام ، وتبدأ البشكة من خمسة أشخاص فأكثر ، وكل فرد من أفراد البشكة يتحلى بالأخلاق الفاضلة الجميلة ، فإذا تكلم أحدهم أنصت له الجميع حتى ينهى كلامه ، ولا ينازعه أحد ، وإذا أرادوا الخروج إلى التنزه في بعض الأماكن ، مثل البساتين أو وادٍ من الأودية جمعوا ( الفلوس بالباي ) أي : بالمشاركة في دفع نفقات الخروج إلى السمر ، واشتروا ما يحتاجون إليه في النزهة والذي لا يملك قيمة ( الباي ) يدخل في الجمع فَيُتحمل عنه الدفع ، وكانوا على حد سواء فلا يرى أحد نفسه أعلى من غيره أو له على غيره منَّة ، بل كانوا كأسنان المشط سواء ، وكان في كل حارة من حارات مكة بشكة معروفة مكونة من فلان وفلان ، وبهذا يفرقون بين ابن الحارة والدخيل الغريب .
وللغزاوي أيضاً كلام جميل عن زمن ( البشكة ) حيث يقول : ( قد تضاءل تداولها بانعدام أهلها أو الذي تتوافر لهم أوقات الفراغ إلا فيما ندر ، فقد أدركنا القوم من جميع المحلات أو الحارات ومن كافة الطبقات لا يكاد شخص واحد منهم يخلو من ( بشكة ) أو ( شلة ) يمتزج بها أو معها ، ويصعد أو يصوب أينما اتجهت أو صعدت أو هبطت ، ويغلب ذلك في زمن ( البصارة ) أي الأشهر التي قبل حلول موسم الحج ، والذي يعقبه تفريغ الجيوب وتفريج الكروب ، وسماع الألحان ، وكانت ركائبها إلى خارج العمران كالزاهر أو ( الجعرانة ) أو ( منى ) أكثر ما تكون على ( الأعيرة ) و ( البغال ) ، أما ما كان داخل المدينة فعلى الأقدام وتتفاوت أهدافها بين بعضها على مقتضى التجانس والتفاهم والغايات والاتجاهات ، ثم شغل الناس بما هو أهم من مشاكل الحياة ، وصرفهم أو صرف أكثرهم ما يعانونه من مشاغلها وملابساتها المتجددة المعقدة .
وما أردت من هذه الشذرة إلى حكاية صورة ما تزال مائلة في ذهني حتى الآن عن هذه ( البشكات ) وقد كنت مقدماً وقائماً بها كأحد الأشياخ مسؤولية لا سناً ( أي كبير السن ) وهو الذي يتولى كل ما يتعلق بحركاتها وسكناتها وطعامها وشرابها ، ويتحمل الضنا والعناء في سيبلها ، ويصرف كل النفقات ثم العوائد آنئذ أن يكون المقدم محل ثقة إخوانه واعتبارهم وائتمانهم ، وأنه إذا بلغ ما يصرف على بشكة خلال أسبوع أو أقل أو أكثر مبلغاً معلوماً من المال مائة ريال مثلاً فإنه إذا أراد الحصول عليه منهم لم يجعلهم في الدفع كأسنان المشط ، ولكن كأصابع اليدين بين قوي وضعيف ، وسمين ونحيف ، وغني وفقير ، وقادر وعاجز ، ويدخل في حسابه مع هذا ما قام به كل واحد منهم لتوفير الانبساط لهم ، من خدمات بدنية ، أو نكات أو فكاهات ، وربما زاد على ذلك ما لا يحصى من الاعتبارات .
وكل لبيب بالإشارة يفهم ، فهو يأخذ من زيد عشرين ريال ، ومن عمرو عشرة ، ومن خالد خمسة ، ومن بكر ثلاثة ، وهكذا ، بحيث لا يشق عليهم ما يدفعون ، وأهم من ذلك كله هو موضع التقدير ورمز المروءة ومواطن الاقتداء أن الجميع لا يعلمون بما تم وما قُسم أو زُوِّع أو تُسلم حرصاً على عدم ( سر الخاطر ) لئلا يستنكف أحد عن الأخذ أو العطاء ، فما زاد أو نقص ، كل ذلك إنما يكون سراً لا يحيط به غير المأمون أو المُقدِّم فقط فلا يملك إنسان أن يعير الآخر بأنه في إخوانه من سقط المتاع ، أو أنه ليس من أهل ( المرباع ) ، وهذه فيما أعتقد إحدى مكارم الأخلاق وتدخل في أبواب الحسنات المستورة ) .

المرجع
صور من تراث مكة المكرمة في القرن الرابع عشر الهجري ، الجزء الأول ، عبد الله محمد أبكر . بتصرف .